تجربتي مع حمية دوكان

(تجربة شخصية جدًا طويلة قليلًا)

“لم تكن الأرض جرحًا كانت جسدًا
كيف يمكن السفر بين الجرح والجسد
كيف تمكن الإقامة؟”
أدونيس

حين غادرت مكان ولادتي في 2012 انتبهت لجسدي، لم يكن سيئًا هكذا أعزي نفسي، لكنني قررت أن أصب كل هذه الثورة المشتعلة في قلبي لأنهكَه، أو أكتب له حياة أخرى تشفي جروحه التي لم أعرف لها موضعًا واحدًا.

كتبت عن المرة الأولى التي اتبعت فيها هذه الحمية الغذائية بعد بحث كثير هنا http://alaa-skies.com/?cat=266 ، أردت شيئًا بدون دهون بدون سكر بدون خبز، لا يفقدني عضلاتي التي تعبت في بنائها، وقع الاختيار على حمية دوكان حمية الأميرة كيتي، دوكان هذا دكتور فرنسي ولد في الجزائر يتحدث الإنجليزية بلكنة فرنسية، اشتهر عام 2000 بعد أن انتشر نظامه باللغة الإنجليزية كحاكمة على الثقافة، صاغ حمية خاصة فيه تعتمد على البروتين والخضروات بشكل أساسي، لكنها تتشابه مع بقية الأنظمة التي تقلل الكاربوهيدرات والدهون وتمجد البروتينات.

اتبعت الحمية في المرة الأولى عام 2012 كان وزني حينها 65 وانخفض معها إلى 56، طولي 158، ومنذ ذلك الحين وبالرغم من أنني ألَّفت فيها حتى كدت أخترع حمية جديدة ولم أتَّبعها حرفيًا، لم يزدد وزني بل كان ينخفض بالرغم من مراحل الكسل والنشاط والشبع والجوع، والأكل بنية أن الحياة قصيرة ولم يعد هناك جميلُ بها غير هذا الطعام اللذيذ وسحره، ثم الندم بعد الأكل جراء المعركة التي تحدث داخلي بعد كل وجبة دسمة.

هدفي أن أرتدي ما أريد، ما أراه أنا قياسًا جميلًا لي، في هذا السن من حياتي، أريد أن يكون نصيبي من الدنيا بهذا التشكل، لو كان العالم ينهار من حولي، أريد لعالمي الذي أحمله معي أن يشيد بشكل أنيق، لا أريد أن أعجز عن الجمالِ لأنني ابتعدت عنه، أو ابتعد عني، في الوقت القابل للبناء.

هذا العام طبعت أهدافي في صور وعلقتها بجانب سريري حتى لا تنسيني سخافاتي ما أريد، كنت كل ليلة وبعد أن اطفئ الهاتف أتأمل تلك الفتاة التي وضعت صورتها وهي تجلس أمام شاطئ يغرب أو يشرق في جلسة يوقا تصعب علي، وإلى جوارها رقم 50، هل يمكن أن أصل إلى هناك؟

قللت أكلي بشكل كبير في رمضان، وفي العيد شعرت بذات الشعور السيء الذي كنت أعزي نفسي به حين عاد الأكل يغزو المكان وأصبح مجرد التفكير فيه وحمل همه جزءًا بشريًا أرجو تحسينه، في خامس أيام العيد، بدأت حمية دوكان بالتزام، وكنت أراقب نفسي.

في أول خمسة أيام (مرحلة الهجوم) وهي الأصعب إذ لا يمكن أن آكل فيها سوى البروتين الخالي من الدهون، وملعقة ونصف من نخالة الشوفان فقط، مع المشي لمدة 20 دقيقة على الأقل، اشتريت ما أريد من مكونات طبختها وأكلتها، أنا لست طاهية متفننة لكنني أكتفي بما أحتاج شرط أن يكون لذيذًا وياللمفاجأة فقد كان!، لم أعد أفكر في الخروج لمكان بحجة الأكل أو جلب حجة المطعم الجديد من أجل الخروج ولم أعد أتساءل ماذا سآكل تلاشت هذه المعادلات من دماغي، كنت أحمل طعامي معي، انخفض صرفي بشكل كبير.

حين جاءت (مرحلة الإبحار) التي استمرت لثلاثين يومًا، على أن تكون بالتبادل يوم بروتين وخضار ويوم بروتين فقط إضافة لملعقتي نخالة الشوفان ومشي 30 دقيقة على الأقل، عدت لاحترام الخضار بكل أنواعها التي كانت رقائق الذرة والحليب تحل محلها في فترات الخراب، تعودت على أشياء ما كان ينبغي لها أن تكون عادة، اختبرت التنوع وأكل الأشياء دون أن أضع بينها وبيني رغيفًا لا أحتاجه، أعجبت بتفوق متابعات للنظام على صفحته في الفيسبوك، خصوصًا فيما يتعلق بالحلويات وبابتكار خبز ليس بمكوناته لكن بشكله لحل المشكلة الذهنية.

سجلت جميع إخفاقاتي حتى لا تتكرر وكلها عائد للشخص النهم داخلي لا للجوع: ٥ حبات محشي ورق عنب، ٣ حبات شيكولاته، ملعقة كعكة حليب، ٣ ملاعق معكرونة، حبات بطاطس مقلية، حبة معمول، كما أنني أخطأت وأخذت روب يوناني وجبنة كوتاج كاملة الدسم بدل خالية الدسم وأكلت جزءًا منها.

اليوم أنهي (مرحلة الإبحار) وهي مرحلة النزول في الوزن، 35 يوم بدون سكر بدون خبز، أخذت حساباتي الأسبوع الماضي في الدهون والعضلات خسرت الأولى واحتفظت بالثانية، لم يتأثر شعري وأظافري وبشرتي، تغيرت قياستي وصرت أحدث نفسي ما الذي كان يملأ هذا الفراغ!، وصلت إلى وزن 52، غادرتني 4 كيلوات خلال 35 يومًا، ربما تساعدني المرحلة القادمة وهي (مرحلة التثبيت) في الوصول للهدف فمعها سأدخل فاكهة يوميًا ورغيف خبز و3 ملاعق شوفان، مع الحفاظ على يوم واحد للبروتين فقط و وجبة احتفالية كل أسبوع، وبها سأحصل على القوة الكافية لممارسة تمارين أقوى.

أصبحت أشبه ما تمنيت وكنت أراه جميلًا، وأنيقًا، سأحتفظ بهذه الذاكرة وفي كل مرة قد ينهار ما بنيته سأعود لتشييده ثانية، شكرًا دوكان.

هنا:
رابط المدونة الأولى:
http://alaa-skies.com/?cat=266
موقع حمية الدوكان:
http://www.dukandiet.co.uk/
كتاب حمية الدوكان:
https://g.co/kgs/zDV7Ub
رابط مجموعة الحمية للبنات فقط وفيها شرح و وصفات مبدعة:
https://www.facebook.com/groups/123583331592333/

 

هذه الأيام للشِعر

هذه الأيام للشِعر، أجد في اللغة المنثورة حكيًا مكروراً، وفي الاقتباسات علبًا بطعام تطغى عليه رائحة المواد الحافظة وهي تشي بكذب الظاهر “خالي من المواد الحافظة”، الشِعر الجيد الذي يعجبني في اختزال الفكرة وهو يصفها كلمات راقصة، لا تحتاج لكل هذا الغثاء اللغوي الذي كثيرًا ما أمارسه وأنا أراقب الأشياء وأبدأ في تدوين الفقرات، وحياكة القصص المبهرة، أتذكر قدرتي على الكذب الكثير الكذب الحِلو الذكي الذي لا يكشفه أحد والمندرج تحت خانة كيد الأنثى، ما بكم حتى الكذب تمكن جندرته، ثم أتذكر مثاليتي فأنسى كذباتي وأقرر الحقيقة والشفافية وكل الأشياء التي أقررها مع نفسي في البدايات، ما أحبه في اختيارات الشِعر أنني لا أهتم لعامِل ما فيه، هو المزاج وكل ضوضائه يحدد.

يبدأ الصباح، يسرني أن أقرأ وأردد لكعب بن زهير:

لَوْ كُنْتُ أَعْجَبُ منْ شَيءٍ لأعْجَبَنِي

سَعْيُ الفَتَى وهو مُخْبُوءٌ له القدَرُ

يَسْعَى الفتى لأمورٍ لَيْسَ مُدْرِكُها

والنفسُ واحدة ٌ والهمُّ منتشرُ

والمرءُ مَا عَاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَمَلٌ

لا تَنْتَهِي العين حتى ينتهي الأثر

في الظهيرة الصغيرة، يكون الوقت مشغولًا بأشياء كثيرةَ يكفيه بيتان لعنترة ليبقى على قيد النهار:

لقدْ ذلَّ منْ أمسى على رَبْعِ منْزلٍ

ينوحُ على رسمِ الدَّيار ويندبُ

وقدْ فاز منْ في الحرْب أصبح جائلا

يُطاعن قِرناً والغبارُ مطنبُ

نَدِيمي رعاكَ الله قُمْ غَنِّ لي على

كؤوسِ المنايا مِن دمٍ حينَ أشرَبُ

ولاَ تسقني كأْسَ المدامِ فإنَّها

يَضلُّ بها عقلُ الشُّجَاع وَيذهَبُ

حين أعود من أي عَمل، يكون الوقت للشابي، يشبهني هذا الشابي جدًا في وصف الأشياء التي تَعمَلُ داخله في أكثر قصيده كما لو أنها بركان، أو مجلة ملونة تتقلب بسرعة، أو عشرات الـ (TAB) في رأس المستصفح، كأن عيني منشورًا مثلثًا يدخله الضوء ويعكس عليه حفلة راقصة في داخل هذا العقل الذي يكتفي بلمعة العين ردة فعلٍ لصخب لا يتوقف، يحكي الشابي عن قلبه واصفًا إياه فيقول:

فيه الشُّموسُ وعاشتْ فَوقُه الأممُ

يا قلبُ! كم فيكَ من كونٍ، قد اتقدَتْ

كواكبٌ تتجلَّى ، ثُمَّ تَنعِدمُ

يا قلبُ! كمْ فيكَ من أفقٍ تُنَمِّقْهُ

فيه الحياة ُ، وضجَّت تحتُه الرِّمَمُ

يا قلبُ! كمْ فيكَ من قبرٍ، قد انطفَأَتْ

منه الجداولُ تجري مالها لُجُمُ

يا قلبُ! كمْ فيكَ من كهفٍ قد انبَجَسَتْ

أو وَرْدَة ً لمْ تشَوِّهْ حُسنَها قَدَمُ

تمشي..، فتحملُ غُصناً مُزْهِراً نَضِراً

إنْ يُسألِ الناسُ عن آفاقه يَجِمُوا

يا قلبُ! إنَّك كونٌ، مُدهِشٌ عَجَبٌ

عنكَ النُّهَى ، واكْفَهَرَّتْ حَوْلَكَ الظُّلَمُ

كأنَّكَ الأبدُ المجهولُ…، قد عَجَزَتْ

ولذَّة ٍ، يَتَحَامَى ظِلَّها الألمُ

يا قلبُ! كمْ من مسرَّاتٍ وأخْيِلة ِ

نَشْوَانَ ثم توارتْ، وانقضَى النَّغمْ

غَنَّتْ لفجرِكَ صوتاً حالماً، فَرِحاً

حتَّى توارتْ، وسار الموتُ والعدمُ

وكمْ مُشَتْ فوقكَ الدُّنيا بأجمعها

وتذْهَبُ الشمسُ والشُّطآنُ والقممُ

تمضي الحياة ُ بما ضيها،وحاضِرها

يَبْقَى على سطحكَ الطَّاغي، ولا ألمُ

وأنتَ، أنتَ الخِضمُّ الرَّحْبُ، لا فَرَحٌ

رقَّيتَها مَرَحاً، ما مَسَّك السَأمُ

يا قلبُ كم قد تملَّيتَ الحياة َ، وكمْ

هذي العَوَالمُ، والأحلامُ، والنُّظُمُ

وَكَمْ رسمتَ رسوماً، لا تُشابِهُهَا

وتستجدُّ حياة ً، ما لها قِدمُ

تبلُو الحياة َ فتبلِيها وتخلَعُها

مِثلُ الطَّبيعة ِ: لا شَيْبٌ ولا هرَمُ

وأنت أنتَ: شبابٌ خالدٌ، نضِرٌ

على القهوة الختامية حين تغرب الشمس، أودع الطعام في قرار اتخذته وأحاول التمسك به ما استطعت، أن أترك فمي للهواء يتغذى به عقلي ويهدأ هذا الجسد منشغلًا بأشياء أخرى، فيأتي عبدالمعطي حجازي في المساء:

ولكنني في المساء أبوح

أسير على ردهات السكينة

وأفتح أبواب صدري ،

وأطلق طيري ،

أناجي ضياء المدينة

إذا ما تراقص تحت الجسور

أقول له .. يا ضياء ، ارو قلبي فإني أحب !

أقول له .. يا أنيس المراكب والراحلين أجب

لماذا يسير المحب وحيدًا ؟

لماذا تظل ذراعي تضرب في الشجيرات بغير ذراع ؟!

ويبهرني الضوء والظل حتى ،

أحس كأني بعض ظلال ، وبعض ضياء

أحس كأن المدينة تدخل قلبي

كأن كلاما يقال ، وناسا يسيرون جنبي

فاحكي لهم عن حبيبي

وقبل النوم، تودعني أبيات دنقل:

لماذا إذا ما تهيَّأت للنوم.. يأتي الكَمان؟..

فأصغي له.. آتياً من مَكانٍ بعيد..

فتصمتُ: هَمْهمةُ الريحُ خلفَ الشَّبابيكِ,

نبضُ الوِسادةِ في أُذنُي,

تَتراجعُ دقاتُ قَلْبي,..

وأرحلُ.. في مُدنٍ لم أزُرها!

شوارعُها: فِضّةٌ!

وبناياتُها: من خُيوطِ الأَشعَّةِ..

صارَ الكمانُ.. كعوبَ بنادقْ!

وصارَ يمامُ الحدائقْ.

قنابلَ تَسقطُ في كلِّ آنْ

وغَابَ الكَمانْ!

مراجعة : في النظام السياسي للدولة الإسلامية

في النظام السياسي للدولة الإسلامية

الكتاب المكتوب بشكل صحيح لدرجة أنك ستخدع أن كل مافيه يمكنك أن تؤيده، قرأت هذا الكتاب في سنوات ماضية وانبهرت به انبهارًا وتبينيت بعض أفكاره ولابد أنها ساهمت في عقلي وفعلي، اشتريت منه أكثر من نسخة كل مرة تضيع وأتحسر على ملاحظاتي وإشاراتي ورسوماتي، أو أرثي لحال من سيعثر عليه ويقرأها .

الفترة الماضية عدت إليه من جديد وشعرت بالحزن أنه فقد قيمته الزمنية من ناحية الإجابة على أسئلة الخلافة، والتطويع الشكلي في المقارنة المباشرة بين الشورى والديموقراطية، هذا تلخيص بسيط لأحد أجزائه.

تلخيص فصل من كتاب في النظام السياسي للدولة الإسلامية
للدكتور محمد سليم العوا
من ص ١٣٤ إلى١٤٢
دار الشروق، الطبعة العاشرة، ٢٠١٢

هل يجب أن تقوم حكومة إسلامية في الدولة الإسلامية؟ وماهو العنصر الذي يميزها عن غيرها؟، يرى العوا أن ما يميزها هو الغاية التي يجب عليها أن تسعى شرعًا لتحقيقها، وهو أن تتوافر فيها صفة “الإسلامية”، وهي الخضوع لتعاليم الإسلام في جوانبها المختلفة، ويتحقق ذلك بأن يكون القائمون على وظائف الدولة ملتزمون بأحكام الإسلام، وأن يكون القانون العام المطبق في الدولة مستقى منها، وهذا هو مقصد الفقهاء في وجوب الخلافة، إذ لا يعني أكثر من قيام دولة تحقق الغاية التي رسمتها الشريعة للدولة، وهو في ذلك يحاول أن يهبها هذا المسمى في حين أن الدولة المعاصرة لا تحتاجه بالضرورة فالأهم هو المضمون والغاية قبل المصطلح والمسمى.

يعود العوا بعدها ليوضح وجهة نظره بعيدًا عن المسمى ويبين ما يقصد بمفهوم “الإسلامية” فيقول: ليس صحيحًا أن يكون الحفاظ من بعض الفقهاء على الشكل الذي قامت به الدولة الإسلامية في تاريخها أو التمسك بالوسائل الإدارية فيها إذ أنها قامت لتطبيق الغايات التي لا يمكن أن تؤديها إلا دولة، ولا تعني لفظة “الإسلامية” هنا ما يتعلق بالعقيدة والإيمان فهي ليست دولة دينية، وإنما ما يتعلق بالقانون الذي تعبر عنه الشريعة والفقه. فهي حكومة غالبيتها مسلمة، يخضع فيها الغالبية إلى القانون الذي ارتضوه، والمسيحيون واليهود وغيرهم شركاء في هذه الدولة بما فيها شؤون الحكم ما داموا يخضعون للقانون الذي لا يتغير إلا بالوسائل الديمقراطية التي تهب الحرية لجميع الأطراف، أي أنه يرى في النهاية أن القانون عليه أن يكون مستمدًا من الشريعة، وهو بذلك سيفرق في الفقرات القادمة بين الدولة العلمانية والإسلامية.

ويبين أن واجبات الرئيس في الدولة الإسلامية، تتلخص في كونها خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وإن مقصد إقامة الدين إلى جوار تدبير مصالح المحكومين هو الهدف الأساسي الذي تلتزم به الدولة، لذا أوجب الفقهاء على الحاكم أن تكون واجباته تدور حول تحقيق هذين الأمرين، وإذا كانت إقامة الدين تعني الآن الخضوع للقانون الإسلامي، فإن تحقيق مصالح المحكومين أيًا كانو بذات الأهمية، ولذا على الحاكم مراعاة ما يحقق خيري الدنيا والآخرة في المحكومين، فيوفر لهم الحياة الكريمة، من تعليم وصحة وحفظ مال، متيحًا لهم تطبيق شعائرهم الدينية وحرياتهم فيها، وضح العوا أهمية رعاية مصالح الناس إلا أنه لم يتوسع في مفهوم حراسة الدين من خلال جعله قانونًا، فالمصطلح ذاته المأخوذ من الماوردي يطرح تساؤلًا حول قوة هذا الدين الذي يحتاج إلى حراسة من فرد، واستخدامه في العصر يطرح تساؤلًا حول السياق الذي يمكن استخدامه فيه خاصة أنه صيغ في عصر الدولة العباسية التي لم تكن لتكون ديمقراطية أو يكون الحاكم اختير بالأمة.

ثم يقول إن أحكام الشريعة الإسلامية في جملتها تهدف إلى تحقيق مصالح الناس، وما من حكم جزئي أو كلي إلا ويخدم مصلحة خاصة، وهي أحد الخمسة، النفس والعقل والعرض والمال والدين، على أن تكون رعاية هذه المصالح وفق القواعد الإسلامية التي يعد التمكين لها جزءًا من وظيفة الحكومة الإسلامية، وأصل ذلك أمران: أولهما أن القواعد في الإسلام وضعت على أساس تفصيل مالا يتغير وإجمال ما يتغير، وذلك كونها شريعة خالدة، وبذلك يختار علماء كل عصر من الكليات ما يناسب ومنها (الأمور بمقاصدها) و(المشقة تجلب التيسير) و(العادة محكمة)، والثاني أن للحكام أن يقرروا ما يناسبهم من سياسة تقيم صلاح العباد، مما يقيمه العدل، وأيًا كانت الوسيلة في ذلك فهي شرع الله ودينه ما دامت تحقق الغاية، فإن من مبادئ الشريعة التوسعة على الحكام في السياسة الشرعية، ذكر العوا أن للحاكم أن يختار مافيه صلاح للعباد وهذا مفهوم إن كان مختارًا من قبل الأمة، لكن وضع كل هذه الصلاحيات في يده دون أن يكون كذلك ودون أن يحقق فيها مقصد الشورى فيه عسف، ويضيف، وبهذا جاز لأجهزة الدولة على تنوعها أن تأخذ بما ترى فيه صلاح أفرادها سواء كان ذلك النظام مطورًا عنها أوجديدًا ابتدعته أو مقتبسًا عن أنظمة أخرى أخذته كله أو أخذت ما يناسبها منه وعملت على تطويره، وبهذا علينا أن نفرق بين الأخذ بالشكل العملي للنظام ومراعاة الأسس الفكرية المبنية عليه فإن كان في الفكرة ما يخالف الشريعة اكتفينا بالأداة عنها.

ويبين العوا الفرق في سعي الدولة العلمانية إلى تحقيق مصالح المحكومين وسعي الدولة الإسلامية في الأصل الثاني إلى ذلك أيضًا هو أن الدولة العلمانية تهدف إلى تحقيق الصالح العام ويختلف هذا الصالح العام من دولة لأخرى وهي بذلك تربط هذا الصالح بأمرين أولهما أنه زمني ودنيوي دون عنصر ديني وروحي وثانيهما أن مضمون الصالح العام عندها يحدد من خلال الحياة الاجتماعية والسياسية في الدولة، في حين أن الدولة الإسلامية في رعايتها للصالح العام تتوجه إلى أسس سابقة لوجود الدولة دعتها الشريعة الإسلامية ولم تحدها مجموعة، فهي بذلك قائمة على الالتزام بالقانون الإسلامي، وهذه لازمة للدولة الإسلامية إذ بغيابها ينتفي الأصل الذي قامت عليه، ومصدر تقرير هذا الأصل هو القرآن والسنة وهي قواعد أعلى في قوتها الإلزامية من أي قواعد تضعه الدولة، وبذلك يكون الفرق أن الغاية في الدولة الإسلامية ركن أساسي تستند إليها في أركان قيامها وإن تغيرت وسائلها في حين أن الدولة العلمانية يقتصر دور غايتها على كونها أحد موجهات سياسة الدولة وقابلة للتغيير، تفريق جميل إلا أنه لا زال عامًا فمن الذي يحدد التأويل المقتبس من القرآن والسنة، أو آلية الاستقاء من هذين المصدرين، إن ترك الأمور على عمومياتها و وضع مقدس في مكانة فوق القانون تتيح استغلاله لمصالح سياسية.

يخلص العوا إلى أن الغاية في الدولة الإسلامية شرط بقاء كما هي شرط ابتداء، فشرعيتها مستمدة منها فإذا خرجت على مقتضى الشرط، انقضت ولايتها، ولم تجب على الناس فيها حقوق، وإذا قامت حكومة في زمن ما تحت ظرف من الظروف غير ملتزمة بهذه الغاية فهي حكومة غير شرعية، لا يجب طاعتها، فإن الحد الأدنى اللازم لطاعة هذه الحكومة هو تحقيقها لغايتها، فإن حل طارئ أخذ بقدره، وذلك لا يسقط عن الشعب محاولة استعادة قدرة دولتهم على تحقيق هذا الالتزام، ولا واجب إزالة الطارئ.

View all my reviews

1

“الجنس الإنساني مسيس، واعيًا أو غافلاً، راغبًا أو راهبًا، فالسياسة من مراحل الرقي الإنساني، وتعلو قدرات الإنسان في مجتمع بمقدار علو التفكير السياسي فيه، وتنخفض إمكانته الذهنية بمقدار تراجع وعيه السياسي، حيث النقاش مخ العمل السياسي، ويحدد محتوى الوعي السياسي وطريقته وتوجهه وليس استعباده، ومن يقوم بهذا نخبة من المتعلمين والمجربين وذوي المصالح، تضع قانونًا يضمن لكل ذي اهتمام او موهبة أن يصل، وتحرم التحجير على عصبية أو مذهب أو عرق أو إقليم يقع تحت نفوذ ذلك الحكم.”

محمد الأحمري، الديمقراطية الجذور وإشكالية التطبيق، ص51

اختر أنت قدرك

6047494714_ec3f650642

بدأت برنامج هادئ بيني وبين نفسي دون جدول ودون جنون الوقت والإحساس بضغطه الذي أرتكبه دومًا، فقط قررت أن أمضي بهدوء ناحية أهدافي لهذا العام، وبدأت التحرك بشكل جيد، لعل أفضل ما اكتشفته خلال الفترة الماضية هو:

“اختر أنت قدرك”

الإنسان مخير أكثر من كونه مسير، الأشياء في هذه الحياة بحزنها بفرحها بخوفها بضعفها بابتهاجها بسعادتها كلها انعكاس لفهمك لها ولنظرتك عنها، يمكنك أن تختار قدرك في أشد اللحظات التي يظنها الناس أنها سوداء.

هذا الاختيار يكون من أبسط الأشياء إلى أعقدها، تحس بالحزن ابتعد عن الحزانى، وكن أول من تبتعد عنه هو أنت، تريد جسمًا رياضيًا يمكن أن تحرك قدمك وتعتذر بلطف عن شيء تظن أنه ليس مهمًا ولكن تفعله بدافع المجاملة.

لا أحد يمكنه أن يقرأ عنك كتابًا، ويمكن لأشخاص كثيرين أن يبهجوك لكنهم لن يجبروك على الابتسامة، لا تغرق في دوامة الأشخاص الذين لا يرتبون حياتهم ويريدون لحياتك أن تكون غير مرتبة ويحزنون إن لم تكن كذلك، ثم تقارن بينهم وبينك وتظن أنك أفضل.

الحياة حلوة، تدفع للأمام دومًا والاستسلام جزء محدود في البشر، لا تكن ذلك الشخص.

مراجعة: جيوبوليتيك – الجغرافيا والحلم العربي القادم – عندما تتحدث الجغرافيا

جيوبوليتيك - الجغرافيا والحلم العربي القادم - عندما تتحدث الجغرافيا
جيوبوليتيك – الجغرافيا والحلم العربي القادم – عندما تتحدث الجغرافيا by جاسم محمد سلطان

My rating: 4 of 5 stars

يعجبني الدكتور جاسم سلطان، ينطلق كالزورق السريع الذي فاق الباخرة البطيئة، فتحررت أفكاره عنها وفاقتها والتقى عوالم أخرى لم تتمكن الأخيرة من الوصول إليها لعلو الأمواج، فقامت الأولى ترسل رسائل فوقية بالغضب ولكنها الغيرة، الغيرة التي تعميك عن الجميل.

ويحدث ما يحدث في كل جسم كبيرة هناك متمردون صغار يهددون إن لم تحدث تغييرات أن يقفزوا من الباخرة بحثًا عن شاطئ آخر حتى لو كلفهم ذلك حياتهم، والآن هناك زورقٌ صديق مؤمن بأفكار الباخرة متفوقٌ عليها مختلفٌ عنها يملك أسسها فيناقشها وحكايتها وقصصها فيستخدمها ويعرف المساحة الفاصلة بين تنظيرها و واقعها، ولا يخوض فيه كثيرًا، حتى لا يكرر الخطأ الذي من أجله قرر مغادرة الباخرة، يقفز الصغار هناك، أو يلحقوه سباحة، أو يذهبون إلى شواطئ أخرى، وتبقى الباخرة، يولد فيها جدد، يموت قدماء، يخرج في المنتصف أفراد، وتدور الحياة.

قرأت بعض كتبه في سلسلة أدوات القادة لمشروع النهضة، وأظنني كنت وبالاً عليه في بعض الأمور التي أتركها للأيام وأعرف أنه طيب ليغفر أو لا يتذكر أصًلا، ولكن آخر ما قرأت له كان كتاب “جيوبولتيك”، بذكائه اختار الاسم الذي يمكنه أن يبعده كثيرًا عن تصور المضمون ولا يخالفه في الوقت ذاته.

عقل، اقتصاد، دفاع، هذا ما تحتاجه أي دولة كأدوات لتفوز في لعبة السياسية، يبدأ الكتاب بالنظريات المهمة في قسمه الأول، “كلما تطور الإنسان واستقر تتولد الذاكرة المشتركة والتصورات المشتركة عن الذات والآخر وتتمايز المجتمعات في أنماط العيش والقيم، ومع الكتابة أصبحت الذاكرة التاريخية أعمق، وتصلبت الهويات الخاصة. هذا الشعور بالتمايز والاختلاف عزز التمركز حول الذات في مقابل الآخر، ومعه تولدت نزعة القوة، والتحصل عليها لمواجعة تهديد الآخر أو لتهديد الآخر”

الكتابة، حفظ الذاكرة التاريخية، تعزيز الهويات، أظن أن النقطة الثانية نقطة ذات بعدين بين أن ننبش التاريخ لنعرف لماذا وصلنا إلى هنا وبين أن نقبل التاريخ المقدم لنا في حصص التاريخ أو في مقتطفات الأيام الوطنية لنصنع منها صورة صغيرة كانت أو كبيرة، وأي تاريخ هو الذي ينبغي أن نحفظه في هذه الذاكرة، ونبني عليه من جديد، وكيف نستخدم هذا التاريخ لرسم الصورة، تاريخ القرصنة أم لحظات الصلح؟ التعاون مع المستعمر أم النضال ضد القتلة؟.

جمال الفصل الثاني يبدأ بتحليل المنطقة العربية وتخيل المشروع العربي الجيوبوليتيكي فيها الذي لا يكون إلا بالشعور الجمعي بالهوية، والعلاقة الصحيحة بالعلم، وسلامة النظم وكفاءتها، ثم يسرد التحديات المواجهة للمشروع، وهو سرد على حياديته وموضوعيته مؤلم حد الاختناق خصوصًا حين يصل لتحدي القضية الفلسطينية رابطًا إياها بالمشروع كفكرة وجود وقوة ونفوذ أكثر منها قطعة أرض محتلة من الوطن العربي.

ينهي الفصل بأمل الفرص، في المنطقة التي كاد أن يمحوها سواد الفصل في بدايته، فالوطن العربي لازال مجموعة دول له علاقاته الجيدة مع من حوله، والأدوات المبدئية الكافية، إن وجدت الإرادة، ثم ينهي الكتاب بأمل حذر في الثورات التي صدر بعدها، ” الثورات ليست هي المستقبل ولكنها لحظة افتكاك لفرصة جديدة قابلة للاستثمار أو التفريط وجوهرها هو سلوك الثوار تجاه مجتمعاتهم ووعيهم وحكمتهم”

لم يذكر الكتاب تفاصيل الخلافات أو المقارنات أو كلمة ولكن ولو، بل بهدوء ارتفع في نظرة وصفية تحليلية لما يحدث على هذا الكوكب وعولمته ونقلها لنا بشكل مرتب، سطحي دون عمق ليوصل لك ما تحتاج من مفاتيح تأخذك بعدها لمجهودك الشخصي الذي تبحث من خلاله عن ضالتك.

أعجبني الكتاب فيما قد يكره الآخرون المعقدون المحبون للفلسفة المتداخلة، هذا التنظيم العشوائي الذي يتوافق معه عقلي، الأشبه بكتاب الجغرافيا الذي يتسامى عليه أعداء مناهج المدرسة لأنه يذكرهم به لا أكثر، وماذا أيضًا؟ نعم الهوس بالمراجع! لن تجد مرجعًا واحدًا في هذا الكتاب فليس معقولًا أن يوثق المرء كل جسر عبرت منه فكرة أخرجها في هيئة جملة.

جيوبوليتك يستحق القراءة والفصل الثاني منه بشكل خاص.

View all my reviews

حارث سيلاديتش

 

haris2

الخطوط المتبدية على وجهه لا يمكنها سوى أن تفضح سيل الدموع التي كانت مجرى لها في يومٍ من الأيام على الدماء التي شهدتها هاتان العينان المتعبتان، كنت شفيت أو تجاوزت أو تراجعت أو كبرت أو نضجت على التقاط الصور مع الشخصيات المشهورة، هكذا خفتت كل رغباتي في ذلك رويدًا لكن هذه الصورة يالها من ابتسامة مخادعة لجميعنا.

حارث سيلاديتش، الاسم الأول عربي والثاني يدل على البلقان كان هنا لمؤتمر، خرج للمنبر وبدأ يتحدث العربية بهدوء واضعًا كل فعلٍ في مكانه الخاص به، مستشهدًا بآراء المفكرين على الجانبين، قال كلامًا لا يستطيع القادة العرب الأقحاح قوله، هذا الرجل كان الرئيس السابق للبوسنة، عاد لي هنا الحنين الطفولي القديم بهيئته الحكيمة، أريد أن أسمع له أكثر.

ذهبت إليه لأطلب منه لقاءً بسيطًا، توقعت أن يبتسم ويرحب، لم يبدي الكثير من الاهتمام ولا الابتسام وأخبرني نعم ولكن بعد أن ينتهي من لقاء آخر، جلسنا بهدوء وكنت أراقبه وهو يتحدث وأتذكر صديقه الذي يكاد يشبهه علي عزت بيجوفيتش، تساءلنا حول السياسة والدم والنسيان، والظلم والتنازل، أخبرني بأنه كان لابد من نسيان الدم الذي سال حتى لا نسيل المزيد، وأنه شاعر روحه مع الكتب لا في السياسة و وجوده فيها كان لسد فراغ وجودي وفكري.

كان يشرب قهوته المرة محاولًا موازنة مرارة الحديث، يبكي قلبه دون أن تبكي عيناه ، يحدثنا عن قصة القصيدة التي كتبها حول طفل فلسطيني يقف أمام جدار في غزة، يحدثنا عن العمل للقضية، عن اعتزال السياسة والتفرغ للعمل الثقافي والحواري فيه، يحدثنا عن الإنسان، ويقول ببساطة: نادوني حارث.

يقف حارث في المنتصف بين الداعين لإلغاء المنطقتين اللتين تتمتعان بحكم ذاتي داخل “البوسنة والهرسك” وهما “الفديرالية الكرواتية-المسلمة” و”جمهورية الصرب”، وهذا ما يعارضه صرب البوسنة بشدة، ويعارضه الكروات بهدوء.

أدركت بعد اللقاء أنني لم أعد أتأثر بسهولة ولكن حين أتأثر فإن ذلك يدخل لأعماقي حتى يهزني ويصحح المسار أو يثبتني عليه، تعلمت من الرئيس حارث النسيان وتعلمت من الشاعر حارث ألا أنسى أبدًا.

كنت مع صديقتي ميساء وكتبت عن اللقاء هنا كذلك.

مراجعة: ساق البامبو

ساق البامبو
ساق البامبو by سعود السنعوسي

My rating: 3 of 5 stars

بالرغم من أن اسمها ساق البامبو، وساق البامبو نبات لا يحتاج لجذر يضربه في التربة فيصعب اقتلاعه إلا أنها رواية علقت بقلبي، نجح سعود في اختلاق فكرة جميلة للرواية وهي أن يتنصل من الكتابة ومن اشتباه القارئ به بطلًا لها. بأن يكتبها على لسان خوسيه الذي لا يعرف العربية، ثم يوهم القارئ أن هناك مترجمًا والمترجم اخته، وبالرغم من أنني لا أصادق إلا الأذكياء فإن صديقاتي كن يسألنني من هي المترجمة خولة؟

الرواية تدور بين عالمين، الفلبين حيث ولد البطل لأم فلبينية كانت تعمل خادمة في بيت كويتي وأحبها ابن العائلة ثم تزوجها وأنجبت، حتى الآن تظهر آثار المسلسلات الكويتية الأخيرة على الكاتب بالرغم من جمال السرد والأسلوب إلا أن ما يحدث بعد ذلك يتجاوز ما لا يمكن للمسلسلات أن تقدمه، يمر خوسيه بالكثير من الأحداث التي حدثت وتحدث في الكويت ينظر لها بعين ابن الوطن والغريب في آن فيولد توليفة جميلة.

كنت أتمنى عمقًا أكثر في فهم الشخصيات خصوصًا أخوات خوسيه وصديقه خاصة وأنه أبدع في وصف الأم والخالة والأب، شكرًا سعود رواية ممتعة بحق وتستحق القراءة خاصة في السفر، وقد قرأتها إلكترونيًا بالزمانات وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء لكنها الظنون بحائزي الجوائز وكتاب الخليج حتى يثبت غير ذلك.

View all my reviews

لا تُحتَمل خفته

 زارني الكائن الذي لم أستطع تحمل خفته فقررت التخلص منه، رآني أحدهم أقرأ في الإسلام بين الشرق والغرب، أولئك الذين لا تعرفهم، النوع الجاذب من الغرباء تود أن تتحدث معهم للأبد، دون يعجبوا بك أو يطلبوا منك أي شيء ولا حتى معلومة تدلهم عليك كأنك سقطت من فراغ زمني لن يمر عليهم وعدت لتسحب إليه “وحدها العلاقة المجردة من العواطف، حيث لا يمكن لأحد الشريكين ادعاء حقوق على حياة الآخر وحريته، يمكنها أن تجلب السعادة للإثنين معا”.

 

– وأين الكتاب الذي كنت تقرئينه البارحة؟، تعجبني هذه الأسئلة بقدر محاولة إظهار عدم الاكتراث بها، الشارب البرتقالي جدًا، النظارة الأنيقة، العمر الذي لا يمكنك تخمينه، القميص الأزرق المغبر، البشرة الشاحبة التي تكاد تتماهى مع القميص، الحزن المهندَس، الهيئة التي لا تكون إلا لمهندس، حاولت أن أربطه بإحدى الشخصيات الكرتونية التي أحبها، أتذكر حين سافرت مرة للخارج وأنا صغيرة صرخت بأبي – أبوي شوف شكل الرجل مثل الرسوم المتحركة! كان أجنبيًا ضحك أبي وأدركت أن ما نحسبه خيالًا واقع لديهم.

– لمن كان ذلك الكتاب.

– كونديرا..

– واليوم بيغوفتش!؟

حاولت ألا أتورد خجلًا، وأكون جديةً وهذه مشكلة تواجهني ولم أعتدها مذ لم أعد أرتدي غطاء الوجه.

-كيف وجدت كونديرا؟

-رائع!..

هل يمكن أن يكون قد قرأه؟ “وحدها الصدفة يمكن أن تكون ذات مغزى. فما يحدث بالضرورة، ما هو متوقع ويتكرر يومياً يبقى شيئاً أبكماً. وحدها الصدفة ناطقة. نسعى لأن نقرأ فيها كما يقرأ الغجريون في الرسوم التي يخطها ثقل القهوة في مقر الفنجان إن حياتنا اليومية مفخخة بالصدف وتحديداً باللقاءات العرضية بين الناس والأحداث ، أي مانسميه المصادفات : والمصادفة هي لحظة يقع حدثان غير متوقعين في الوقت نفسه فيتلاقيان .في أغلب الأحيان تمر مصادفات كثيرة دون أن نلاحظها إطلاقاً”

-هل يمكن يا.. أن نجلس لم يبق شيء على المحاضرة، ما اسمكِ؟

– تعرفُ ماهو الكيتش؟

– تجاهلَ تجاهُلها وأكمل.. اسمي وحيد لكنني لست وحيدًا.

ضحكَت وهي تطوي شفتيها. “عندئذٍ أحس بحب لا يفسّر نحو هذه الفتاة التي كان يجهلها في الواقع. بدت له مثل طفلة وُضعت في سلة مطلية بالقطران وتُركت في النهر ليلتقطها عند ضفة سريره”

– ما أعرفه عن الكيتش أنه مركب يبحر ويتكسر سريًعا ولا يحمل الكثير من الأشخاص هو مركب يمكنه أن يكون احتياطيًا في سفن أكبر.”يدرك من قبل أن الاستعارات شيء خطير. لا يمكننا أن نمزح مع الاستعارات. فالحب قد يولد من استعارة واحدة”

– لا يا وحيد.. كونديرا يتحدث عن مفهوم الشيء الرديء بشكله الفني، العالم الآخر بشكله المعروف، المظلم المشرق، تصور أن تكون مهندسًا.

– لست كذلك.

– لذلك قلت تصور!، حسنًا تصور أنك كاتب، كاتب رديء، تكتب بشكل منمق له رائحة عطر سيئ تصف كلمات أفكارك بشكل مضحك ممل، لكنك في النهاية تحمل خلقًا.

-وهدفًا، لطالما أردت أن أكون كاتبًا، الآن أتمنى أن أكون كاتبًا رديئا ولكن “لا يمكن للإنسان أبدًا أن يدرك ماذا عليه أن يفعل، لأنه لا يملك إلا حياة واحدة، لا يسعه مقارنتها بحيوات سابقة ولا إصلاحها في حيوات لاحقة”

-أوه! حقًا حرام! لم يتحقق حلمك بعد؟ كم أحب لو كان.. لازال أمامك وقت لذلك و وقت أقل لذلك لو أردت أن تكون كاتبًا رديئًا.

-…. سكت حزنًا لشفقتها على حلمه ومحاولة تقبله رديئًا “إن كلمات الشفقة توحي عموماً بالارتياب، وهي تُعنى بشعور يعتبر أقل منزلة ولا علاقة له بالحب إطلاقاً. أن نحب أحداً شفقة””الحلم هو البرهان على أن التخيل وتصور ما ليس له وجود، هو إحدى الحاجات الأساسية للإنسان، وهنا يكمن أصل الخطر الخادع الكامن في الحلم، فلو أن الحلم ليس جميلا، لأمكننا نسيانه بسهولة .”

– ولكن الفكرة ليست هنا، الكيتش هذه الرداءة هي معنى الحياة عند كونديرا في روايته..

– لا تهمني محاولة تسمية الأشياء المعروفة يا آنسة، هناك من يحترف عملا يسترزق منه دون أخلاق وهناك من لا يملك سوى أخلاقه!

تفاجَأت لحدته كأنها تحسست موضع جرح شاخ بسخرية مراهقة.

– هل أنت آنسة؟

شعرت بخيبة أمل أمام غريب لا يعرف قواعد لعبة البوح في احتمال المرة الواحدة” “مرة واحدة لا تحسب أبدًا مرة واحدة هي أبدًا” “. أنت لا تستطيع العيش إلا حياة واحدة كأنك لم تعش البتة” “العالم الذي يكشف فيه أحدهم عن حياته الخاصة يفقد كل شيء”

– لماذا دافعت عن نفسك بهذا القلق؟ هل أنت غريب عوضًا عن كونك وحيد؟ وابتسمَت في محاولة العودة لمشهد النظارة الأنيقة والقميص الفاتح. “إن من يعيش في الغربة يمشي في فضاء فوق الأرض من غير شبكة الحماية التي ينصبها لكل كائن البلد الذي هو بلده .. حيث أسرته وزملاؤه وأصدقاؤه” لذا يكون مستعدًا لكره غير معروف وللطافة غير متوقعة.

– لستُ غريبًا.. معي أهلي..

– أقصد أن هذا ليس وطنك.

-ليس لي وطن، فقدنا بعضنا..

“في المقدمة الكذب المحسوس وفي الخلف الحقيقة التي لايدرك كنهها”

-كيف؟

– لم أستطع التخلص من محبة الحزب ذهبت لأنصح ردوا ” لا، لانريد منك نصيحة نريد توقيعك.. لم نكن عارفين! لقد خُدعنا كنا مؤمنين بالقضية! نحن أبرياء في قرارة قلوبنا! “

– هل ستعود؟ “لكي نتحاشى العذاب نلجأ في أكثر الأحيان إلى المستقبل. فنتصور أن ثمة فاصلًا ما على حلبة الزمن يتوقف بعد العذاب الحالي عن أن يكون موجودًا”

– إلى أين؟

– أعني.. “مالذي سيحدث لو أن هذا السفر انتهى؟ يمكن لنا أن نخون أهلاً وزوجًا وحبًا و وطنًا، لكن ما الذي يتبقى حين لا يعود هناك أهل لنخونهم أو زوج أو حب أو وطن؟”

– هل أنت غريبة؟

– بربك!؟ هل أبدو كذلك؟ هل تتمناه لي؟

“متأكد من أن أصل جميع أنواع الكذب يكمن في الفصل بين الحياة العامة والخاصة حيث يكون المرء شخصًا في حياته الخاصة وشخصًا آخر في حياته العامة فالعيش في الحقيقة هو إلغاء الفاصل بين العام والخاص”

– “لا ليس هذا تطيرًا ..إنما هو حس الجمال” الذي لا أجده إلا في غريب.

.. “حررها فجأة من قلقها وأمدها برغبة جديدة للعيش. مرة أخرى كانت عصافير الصدفة تحط فوق كتفيها”

– هل يمكن أن أستعير منك الرواية؟

-ألم تفعل.. ظننتك قرأتها !

أحضريها غدًا أرجوكِ..”

– قد لا آتي غدًا.. يمكنك أن تأخذ (الإسلام .. بين الشرق والغرب)..

“التاريخ خفيف بقدر ماهي الحياة الإنسانية خفيفة، خفيفة بشكل لا يطاق، خفيفة مثل الوبر، مثل غبار متطاير، مثل شيء سيختفي غدًا”

 

قصة ألفتها لتوظيف اقتباسات أعجبتني في الرواية مابين الـ ” ” لكوندير

أيام بين شيكاغو وباريس

كتاب خفيف ظريف لطيف، قرأت منه القليل ثم تركته وعدت له بعد مدة طويلة لفصله الثاني في باريس، ألاحظ تطور أسلوب كتابة الأحمري بين هذا الكتاب ومقالته الحالية منها توثيقه لرحلته إلى إيران، جيد أنه نشر الكتاب وإلا لو جاء الزمان الآن لما كان فعل فحين ترجع كفة الشجاعة على الحكمة باليسير يستفيد الكثير، وكم من حكمة وتهيب من النشر لأجل التجويد ضيعت على القراء فوائد راح أصحابها تحت التراب ولم تنشر البتة.

في الكتاب نظرة جميلة لسعودي في زمن كان يلقى على الغرب فيه بطائلة كل مصيبة تحدث في الشرق، ويتشدق الخطيب من منبر  تحت مكيف من صنعهم بأنهم أصل للانحلال الأخلاقي وبأنهم أخذوا منا الحضارة، وهذا حديث كنا نصدقه لجهلنا بالحقيقة وإن كان فيما يقول شيء من الصحة، لكن المواقف الحادة، والتصنيف الأبيض والأسود لابد أن يشكك في مدى ضيق الأفق الذي جعل كل شيء في عالم مغاير سيئًا.

اقتباسات من الكتاب: Continue reading أيام بين شيكاغو وباريس