30 دقيقة لروح الجسد

مرحلة انسحابية من حياتي تلك التي زارني فيها الصداع النصفي لأول مرة في التاريخ، وتكرر بعدها، كان ذلك في أواخر ديسمبر قبل ثلاث سنوات، يومها كانت البداية الحقيقية والوقفة الرئيسية مع الذات، قبل ذلك كنت أذهب يوميًا للمشي السريع في حديقة الحي وأسجل بشكل متقطع في بعض النوادي الصحية وأظن أن لياقتي عالية فبإمكاني مقارنة مع من حولي المشي لمسافات طويلة جًدا ويمكنني ممارسة جميع أنواع تمارين الوسط بسهولة، ولكنني لم أنتبه إلى أنني لم أكن أستطيع القيام بتمارين الضغط ولا حتى لمرة واحدة بشكل صحيح، كانت لياقة إقصائية.

كنت أحاول بشكل غير جدي ترتيب أكلي المكون أساسًا من النسكافيه والشاي الأخضر وتوست الجبن بالطماطم، وكنت أتناول كل هذه الأشياء ليلًا  كوني أسهر كثيرًا مع تجارب حمية مجنونة تقوم على أكل التفاح في يوم والبرتقال في يوم آخر، قررت أنني لا أريد أن أبقى هكذا طول حياتي بوزن واحد يزيد كيلوجرامًا أو ينقص، وبشكل واحد لم أكن راضية عنه تمامًا وإنما أريد له الأفضل، والأهم من ذلك أن ينتهي هذا التعب البسيط دون سبب والخفقان المستمر، والصداع الجديد المعيق عن ممارسة أي شيء غير التحديق في السقف.

البداية

بدأت بالبحث عن أفضل طرق الرياضة وتابعت برنامج انسانتي للمدرب شون تي وهو برنامج يعد متقدمًا لمن يريد البداية بدأت بحماس وبعد مرور أسبوع كان الوضع لا يطاق لقد سببت صدمة قوية لهذا الجسد المسكين. كنت حينها أعبر شارعًا وقرأت على لافتته نادي للرياضة وقررت من الزيارة الأولى المشاركة فيه كان هذا النادي هو نادي كيرفز الذي تقوم تمارينه على 30 دقيقة فقط كخطوة لتشجيع المشغولات، وكانت البداية معه، أنهي عملي وأذهب للنادي ومن ثم إلى الجامعة، في رحلة مراثونية ممتعة، كان تشجيع المدربات والمتابعة والمراقبة كل شهر حافزًا كبيرًا ، ودعت في هذه المرحلة كل الوزن الذي يمكنني اعتباره زائدًا، وأصبحت لياقتي أعلى.

بالتوازي مع ذهابي للنادي بحثت كثيرًا عن موضوع الحمية وقررت أنني لن أقع في خطأ الحمية التي تعتمد على نوع واحد والتي تأتي بنتائج سريعة تتراجع بعد التوقف، وبعد البحث وقفت عند حمية دوكان، العائدة لطبيب فرنسي تقوم فكرتها على استبدال الحميات التي تقلل كمية الكالوري إلى التي تستخدم مجموعة من المكونات الغذائية المهمة في تكوين الجسم بشكل متوالي مخطط له، كأنها تعيد إنعاشه من جديد، وتمر بمراحل منها الهجوم، والإبحار، والتماسك والاستقرار، أُصدر حول الحمية كتاب ترجم إلى العديد من اللغات ومنها العربية.

قطعت السكر والملح المضاف أثناء هذه الحمية وأظن أن قطعهما كان له سبب رئيسي في إعادة تهيئة نظامي تجاه الأطعمة، لم يعد هناك إدمان، لم يعد هناك رغبة بتناول شيء إلا عند الجوع والحاجة إليه، كان التغيير الحقيقي والأهم هو في خفض نسبة الدهون التي لا علاقة لها بالوزن بقدر علاقتها بالشكل فهي خفيفة لكنها تأخذ حيزًا كبيرًا مقارنة بالعضلات.

هناك آراء متعددة حول هذه الحمية لكن أظن أن أجمل ما خرجت به منها هو التوازن الذي أعادته لجسدي، لم أستمر عليها بالمعنى الحرفي ولكن ساعدتني على رسم النظام الصحي الخاص بي.

الفهم

انتهى اشتراكي في النادي بعد سنة، حينها قررت قرارًا جرئيًا بأن لا أجدده بل أن أمارس الرياضة لوحدي في المنزل وبدأت بمتابعة قناة XHIT وممارسة التمارين التي فيها لمدة 30 دقيقة بشكل مستمر واشتريت أثقالًا صغيرة لليد لا يتجاوز ثقل الواحد منهم 2,5 كيلو لكل يد، لكنه كان يصنع الكثير من الفرق، وكنت أخلط بين اليوقا والتركيز على الجزء الأعلى والأسفل من الجسم بشكل تبادلي، وكان زوجي يشاركني الكثير من التمارين تشجيعًا واستمتاعًا بالحركة التوافقية كتلك التي تؤدى على المسارح ولو بين شخصين.

اتجهت في تلك المرحلة لخلق البدائل قبل إلغائها، فأنا الآن أتحكم بثلاجتي ومطبخي، وأرى ما يحدث في القدر، ومعي الكائن الطيب الذي يريد طعامًا لذيذًا وصحيًا في الوقت ذاته، انتهى الرز الأبيض واستبدلته بالأسمر كذلك مع المعكرونة والخبز والتوست، لم يعد هناك حلو أو شوكولاته أو شبس في المنزل إلا نادرًا فقط لوح متوسط من الشوكولاتة السوداء بنسبة 70%، والكثير من المكسرات غير المملحة والشوفان والفواكه المجففة، أردت لهذا النمط أن يستمر معي طوال الحياة حينها. وحين كانت تصلني بعض التعليقات النابعة عن ود بأنه علي التوقف لأنني وإلا سأختفي كنت أرد ضاحكة بأنني أريد أن أصبح XS وكان ما أردت تغيرت مقاسات ملابسي، وأفرغت غير المناسب منها لأنني لن أعود لها مرة أخرى، كنت أترك وجبة مفتوحة في نهاية الأسبوع لأي شيء وأحرص على ألا تكون مغمورة بالدهون المشبعة التي سيصعب علي التخلص منها في الأسبوع الذي يليه.

قوة العادة

كانت أشياء بسيطة يمكن أن تصنع التغيير بقوة العادة، لم أعد الآن أطيق أي عصير صناعي أو طبيعي مضاف له السكر، ولا أستطيع أن أشرب الكرك المغرق به، ولا آكل الأشياء المالحة بشكل غير طبيعي، أشياء بسيطة خلقت الفرق، فالفشار (البوب-كورن) يصبح مختلفًا بالجهاز الحراري لا بالزيت والزبدة، وأكل الموز مع القهوة شيء غريب لكن الطعم غالبًا ما يكون واحدًا ولو اختلف الآن فسيتغير لاحقًا، تغيرت أشياء لم أكن أظن أنني سأستغني عنها يومًا ولم أعد أشتريها أبدًا، وأصبح الماء مشروبًا رئيسيًا مع الوجبات وبينها، وبات من النادر أن آكل شيئًا ثقيلًا  بعد السادسة، وأقرأ المكونات فإن كانت معقدة جدًا أدرك أنه ليس طعامًا، أصبحت أصنع طعامي وآخذه معي، وإن لم أتمكن من ذلك فأشتري ما أظنه صحيًا وقليل المكونات.

tumblr_n9jrv8RzxS1s39eoto1_400

بدأت مرحلة رياضية مختلفة في بناء الجسد مع قناة finessblender يقوم عليها دانيال وكيلي زوجان رياضيان، ولهم العديد من المقاطع ومؤخرًا جددو موقعهم الذي يضم كل المعلومات حول كل تمرين ويقومون ببرامج مختلفة كتحدي الخمسة أيام للمشغولين، ومقاطع للمبتدئين، أقوم بتحديد البرنامج الرياضي كل يوم لكل أسبوع لمدة نصف ساعة على الأقل بحيث لا أنشغل بالتفكير فيما سأمارسه كل يوم، وزدت في الأثقال التي أحملها إلى 10 كيلو، مع أهمية التسخين والتبريد قبل كل تمرين وختامه بتمارين الشد، إضافة إلى محاولة المشي المستمر والحركة الدائمة ما وجدت حيزًا لها، وقبل أن أنشر هذه التدوينة أنهيت هذا التمرين.

 الأثر النفسي من الرياضة يوازي الأثر الشكلي والصحي لا يعرفه حقًا إلا من يمارسها، والآن أهدف إلى إتقان بعض الرياضات بشكل جاد، كالتنس الأرضي والسباحة.

هل هذا ترف؟

909694288b596a36c1bb7e71330107fa

كثيرون من أصحاب الهم أو المثقفين، ملتزمين كانوا أو غير ذلك لا يهتمون بهذا الأمر كسمة أساسية للحياة ولا ينتبهون له، بالنسبة لي انتهت مرحلة الرياضة المكثقة المستمرة عندي بعد المرحلة الابتدائية، كنت مشتركة في رياضة الجمباز ومتفوقة بها، ثم أصبح الأمر يأخذ منحى أنها للكسالى ونخطف من حصة الرياضة لأي مادة تكميلية أخرى، ولم يعد لذلك أهمية إلا في بعض المواقف التي تكون فيها شيئًا خفيفا للمتعة البسيطة دون جدية، في حين أن الثقافة الغذائية لم تتغير بالرغم من تغير طبيعة الناس لازال المرق السابح بالدهن والبرياني الدسم شيئًا أساسيًا مع تراجع نمط الحركة.

للحظة معينة قد نفكر بالدماء والآلام التي تعاني منها الشعوب ولا نفعل شيئًا غير الذهاب لمقهى قريب لتناول طبق من الكنافة المشربة بالحلو، ثم ننظر لأي محاولة تعديل في نمط الحياة على أنها نوع من الرفاهية أمام معناة الآخرين، ولكن الحقيقة أننا بهذا النمط من الحياة سنعاني، إن لم يكن الآن ففي المستقبل.

هذا الجسد أمانة تحوي الروح والعقل، رعايته تخلق تلك اللذة أمام تحديه باستمتاع مع كل تقدم، وشكلًا  حلوًا في أعيننا نحن قبل الآخرين، وروحًا خفيفة يمكنها أن تفعل ما تشاء دون مراجعة حسابات.