حارث سيلاديتش

 

haris2

الخطوط المتبدية على وجهه لا يمكنها سوى أن تفضح سيل الدموع التي كانت مجرى لها في يومٍ من الأيام على الدماء التي شهدتها هاتان العينان المتعبتان، كنت شفيت أو تجاوزت أو تراجعت أو كبرت أو نضجت على التقاط الصور مع الشخصيات المشهورة، هكذا خفتت كل رغباتي في ذلك رويدًا لكن هذه الصورة يالها من ابتسامة مخادعة لجميعنا.

حارث سيلاديتش، الاسم الأول عربي والثاني يدل على البلقان كان هنا لمؤتمر، خرج للمنبر وبدأ يتحدث العربية بهدوء واضعًا كل فعلٍ في مكانه الخاص به، مستشهدًا بآراء المفكرين على الجانبين، قال كلامًا لا يستطيع القادة العرب الأقحاح قوله، هذا الرجل كان الرئيس السابق للبوسنة، عاد لي هنا الحنين الطفولي القديم بهيئته الحكيمة، أريد أن أسمع له أكثر.

ذهبت إليه لأطلب منه لقاءً بسيطًا، توقعت أن يبتسم ويرحب، لم يبدي الكثير من الاهتمام ولا الابتسام وأخبرني نعم ولكن بعد أن ينتهي من لقاء آخر، جلسنا بهدوء وكنت أراقبه وهو يتحدث وأتذكر صديقه الذي يكاد يشبهه علي عزت بيجوفيتش، تساءلنا حول السياسة والدم والنسيان، والظلم والتنازل، أخبرني بأنه كان لابد من نسيان الدم الذي سال حتى لا نسيل المزيد، وأنه شاعر روحه مع الكتب لا في السياسة و وجوده فيها كان لسد فراغ وجودي وفكري.

كان يشرب قهوته المرة محاولًا موازنة مرارة الحديث، يبكي قلبه دون أن تبكي عيناه ، يحدثنا عن قصة القصيدة التي كتبها حول طفل فلسطيني يقف أمام جدار في غزة، يحدثنا عن العمل للقضية، عن اعتزال السياسة والتفرغ للعمل الثقافي والحواري فيه، يحدثنا عن الإنسان، ويقول ببساطة: نادوني حارث.

يقف حارث في المنتصف بين الداعين لإلغاء المنطقتين اللتين تتمتعان بحكم ذاتي داخل “البوسنة والهرسك” وهما “الفديرالية الكرواتية-المسلمة” و”جمهورية الصرب”، وهذا ما يعارضه صرب البوسنة بشدة، ويعارضه الكروات بهدوء.

أدركت بعد اللقاء أنني لم أعد أتأثر بسهولة ولكن حين أتأثر فإن ذلك يدخل لأعماقي حتى يهزني ويصحح المسار أو يثبتني عليه، تعلمت من الرئيس حارث النسيان وتعلمت من الشاعر حارث ألا أنسى أبدًا.

كنت مع صديقتي ميساء وكتبت عن اللقاء هنا كذلك.

مراجعة: ساق البامبو

ساق البامبو
ساق البامبو by سعود السنعوسي

My rating: 3 of 5 stars

بالرغم من أن اسمها ساق البامبو، وساق البامبو نبات لا يحتاج لجذر يضربه في التربة فيصعب اقتلاعه إلا أنها رواية علقت بقلبي، نجح سعود في اختلاق فكرة جميلة للرواية وهي أن يتنصل من الكتابة ومن اشتباه القارئ به بطلًا لها. بأن يكتبها على لسان خوسيه الذي لا يعرف العربية، ثم يوهم القارئ أن هناك مترجمًا والمترجم اخته، وبالرغم من أنني لا أصادق إلا الأذكياء فإن صديقاتي كن يسألنني من هي المترجمة خولة؟

الرواية تدور بين عالمين، الفلبين حيث ولد البطل لأم فلبينية كانت تعمل خادمة في بيت كويتي وأحبها ابن العائلة ثم تزوجها وأنجبت، حتى الآن تظهر آثار المسلسلات الكويتية الأخيرة على الكاتب بالرغم من جمال السرد والأسلوب إلا أن ما يحدث بعد ذلك يتجاوز ما لا يمكن للمسلسلات أن تقدمه، يمر خوسيه بالكثير من الأحداث التي حدثت وتحدث في الكويت ينظر لها بعين ابن الوطن والغريب في آن فيولد توليفة جميلة.

كنت أتمنى عمقًا أكثر في فهم الشخصيات خصوصًا أخوات خوسيه وصديقه خاصة وأنه أبدع في وصف الأم والخالة والأب، شكرًا سعود رواية ممتعة بحق وتستحق القراءة خاصة في السفر، وقد قرأتها إلكترونيًا بالزمانات وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء لكنها الظنون بحائزي الجوائز وكتاب الخليج حتى يثبت غير ذلك.

View all my reviews

لا تُحتَمل خفته

 زارني الكائن الذي لم أستطع تحمل خفته فقررت التخلص منه، رآني أحدهم أقرأ في الإسلام بين الشرق والغرب، أولئك الذين لا تعرفهم، النوع الجاذب من الغرباء تود أن تتحدث معهم للأبد، دون يعجبوا بك أو يطلبوا منك أي شيء ولا حتى معلومة تدلهم عليك كأنك سقطت من فراغ زمني لن يمر عليهم وعدت لتسحب إليه “وحدها العلاقة المجردة من العواطف، حيث لا يمكن لأحد الشريكين ادعاء حقوق على حياة الآخر وحريته، يمكنها أن تجلب السعادة للإثنين معا”.

 

– وأين الكتاب الذي كنت تقرئينه البارحة؟، تعجبني هذه الأسئلة بقدر محاولة إظهار عدم الاكتراث بها، الشارب البرتقالي جدًا، النظارة الأنيقة، العمر الذي لا يمكنك تخمينه، القميص الأزرق المغبر، البشرة الشاحبة التي تكاد تتماهى مع القميص، الحزن المهندَس، الهيئة التي لا تكون إلا لمهندس، حاولت أن أربطه بإحدى الشخصيات الكرتونية التي أحبها، أتذكر حين سافرت مرة للخارج وأنا صغيرة صرخت بأبي – أبوي شوف شكل الرجل مثل الرسوم المتحركة! كان أجنبيًا ضحك أبي وأدركت أن ما نحسبه خيالًا واقع لديهم.

– لمن كان ذلك الكتاب.

– كونديرا..

– واليوم بيغوفتش!؟

حاولت ألا أتورد خجلًا، وأكون جديةً وهذه مشكلة تواجهني ولم أعتدها مذ لم أعد أرتدي غطاء الوجه.

-كيف وجدت كونديرا؟

-رائع!..

هل يمكن أن يكون قد قرأه؟ “وحدها الصدفة يمكن أن تكون ذات مغزى. فما يحدث بالضرورة، ما هو متوقع ويتكرر يومياً يبقى شيئاً أبكماً. وحدها الصدفة ناطقة. نسعى لأن نقرأ فيها كما يقرأ الغجريون في الرسوم التي يخطها ثقل القهوة في مقر الفنجان إن حياتنا اليومية مفخخة بالصدف وتحديداً باللقاءات العرضية بين الناس والأحداث ، أي مانسميه المصادفات : والمصادفة هي لحظة يقع حدثان غير متوقعين في الوقت نفسه فيتلاقيان .في أغلب الأحيان تمر مصادفات كثيرة دون أن نلاحظها إطلاقاً”

-هل يمكن يا.. أن نجلس لم يبق شيء على المحاضرة، ما اسمكِ؟

– تعرفُ ماهو الكيتش؟

– تجاهلَ تجاهُلها وأكمل.. اسمي وحيد لكنني لست وحيدًا.

ضحكَت وهي تطوي شفتيها. “عندئذٍ أحس بحب لا يفسّر نحو هذه الفتاة التي كان يجهلها في الواقع. بدت له مثل طفلة وُضعت في سلة مطلية بالقطران وتُركت في النهر ليلتقطها عند ضفة سريره”

– ما أعرفه عن الكيتش أنه مركب يبحر ويتكسر سريًعا ولا يحمل الكثير من الأشخاص هو مركب يمكنه أن يكون احتياطيًا في سفن أكبر.”يدرك من قبل أن الاستعارات شيء خطير. لا يمكننا أن نمزح مع الاستعارات. فالحب قد يولد من استعارة واحدة”

– لا يا وحيد.. كونديرا يتحدث عن مفهوم الشيء الرديء بشكله الفني، العالم الآخر بشكله المعروف، المظلم المشرق، تصور أن تكون مهندسًا.

– لست كذلك.

– لذلك قلت تصور!، حسنًا تصور أنك كاتب، كاتب رديء، تكتب بشكل منمق له رائحة عطر سيئ تصف كلمات أفكارك بشكل مضحك ممل، لكنك في النهاية تحمل خلقًا.

-وهدفًا، لطالما أردت أن أكون كاتبًا، الآن أتمنى أن أكون كاتبًا رديئا ولكن “لا يمكن للإنسان أبدًا أن يدرك ماذا عليه أن يفعل، لأنه لا يملك إلا حياة واحدة، لا يسعه مقارنتها بحيوات سابقة ولا إصلاحها في حيوات لاحقة”

-أوه! حقًا حرام! لم يتحقق حلمك بعد؟ كم أحب لو كان.. لازال أمامك وقت لذلك و وقت أقل لذلك لو أردت أن تكون كاتبًا رديئًا.

-…. سكت حزنًا لشفقتها على حلمه ومحاولة تقبله رديئًا “إن كلمات الشفقة توحي عموماً بالارتياب، وهي تُعنى بشعور يعتبر أقل منزلة ولا علاقة له بالحب إطلاقاً. أن نحب أحداً شفقة””الحلم هو البرهان على أن التخيل وتصور ما ليس له وجود، هو إحدى الحاجات الأساسية للإنسان، وهنا يكمن أصل الخطر الخادع الكامن في الحلم، فلو أن الحلم ليس جميلا، لأمكننا نسيانه بسهولة .”

– ولكن الفكرة ليست هنا، الكيتش هذه الرداءة هي معنى الحياة عند كونديرا في روايته..

– لا تهمني محاولة تسمية الأشياء المعروفة يا آنسة، هناك من يحترف عملا يسترزق منه دون أخلاق وهناك من لا يملك سوى أخلاقه!

تفاجَأت لحدته كأنها تحسست موضع جرح شاخ بسخرية مراهقة.

– هل أنت آنسة؟

شعرت بخيبة أمل أمام غريب لا يعرف قواعد لعبة البوح في احتمال المرة الواحدة” “مرة واحدة لا تحسب أبدًا مرة واحدة هي أبدًا” “. أنت لا تستطيع العيش إلا حياة واحدة كأنك لم تعش البتة” “العالم الذي يكشف فيه أحدهم عن حياته الخاصة يفقد كل شيء”

– لماذا دافعت عن نفسك بهذا القلق؟ هل أنت غريب عوضًا عن كونك وحيد؟ وابتسمَت في محاولة العودة لمشهد النظارة الأنيقة والقميص الفاتح. “إن من يعيش في الغربة يمشي في فضاء فوق الأرض من غير شبكة الحماية التي ينصبها لكل كائن البلد الذي هو بلده .. حيث أسرته وزملاؤه وأصدقاؤه” لذا يكون مستعدًا لكره غير معروف وللطافة غير متوقعة.

– لستُ غريبًا.. معي أهلي..

– أقصد أن هذا ليس وطنك.

-ليس لي وطن، فقدنا بعضنا..

“في المقدمة الكذب المحسوس وفي الخلف الحقيقة التي لايدرك كنهها”

-كيف؟

– لم أستطع التخلص من محبة الحزب ذهبت لأنصح ردوا ” لا، لانريد منك نصيحة نريد توقيعك.. لم نكن عارفين! لقد خُدعنا كنا مؤمنين بالقضية! نحن أبرياء في قرارة قلوبنا! “

– هل ستعود؟ “لكي نتحاشى العذاب نلجأ في أكثر الأحيان إلى المستقبل. فنتصور أن ثمة فاصلًا ما على حلبة الزمن يتوقف بعد العذاب الحالي عن أن يكون موجودًا”

– إلى أين؟

– أعني.. “مالذي سيحدث لو أن هذا السفر انتهى؟ يمكن لنا أن نخون أهلاً وزوجًا وحبًا و وطنًا، لكن ما الذي يتبقى حين لا يعود هناك أهل لنخونهم أو زوج أو حب أو وطن؟”

– هل أنت غريبة؟

– بربك!؟ هل أبدو كذلك؟ هل تتمناه لي؟

“متأكد من أن أصل جميع أنواع الكذب يكمن في الفصل بين الحياة العامة والخاصة حيث يكون المرء شخصًا في حياته الخاصة وشخصًا آخر في حياته العامة فالعيش في الحقيقة هو إلغاء الفاصل بين العام والخاص”

– “لا ليس هذا تطيرًا ..إنما هو حس الجمال” الذي لا أجده إلا في غريب.

.. “حررها فجأة من قلقها وأمدها برغبة جديدة للعيش. مرة أخرى كانت عصافير الصدفة تحط فوق كتفيها”

– هل يمكن أن أستعير منك الرواية؟

-ألم تفعل.. ظننتك قرأتها !

أحضريها غدًا أرجوكِ..”

– قد لا آتي غدًا.. يمكنك أن تأخذ (الإسلام .. بين الشرق والغرب)..

“التاريخ خفيف بقدر ماهي الحياة الإنسانية خفيفة، خفيفة بشكل لا يطاق، خفيفة مثل الوبر، مثل غبار متطاير، مثل شيء سيختفي غدًا”

 

قصة ألفتها لتوظيف اقتباسات أعجبتني في الرواية مابين الـ ” ” لكوندير

أنتمي إليهم الآن، غدًا، وحتى بعد حين.

هناك أشخاص أعرفهم، أعرف مافيهم من أنصاف الأماني ورسائل لم تصل وحكايات حكوها لأنفسهم ليس لأنهم يرونها أثمن من أن تروى أو لأنهم يحاولون رسم الغموض على اللاشيء ولكنهم حين يروونها لا يستطيعون النظر في عينيك فيخافون عليها من ردة فعل فاتتهم وهي قطع قلبهم وسلواهم في التذكار زمنَ الوحدة والليالي الرطبة والوقفة الهادئة في المطبخ خلف حوض الغسيل أو أمام إبريق الشاي.

أعرفُ ما فيهم من تساؤل من خوف من قلق من رعشة الفؤاد الصغير الذي يخشى على شيء يحبه ولا يعرف ماهو ويخاف أن يكون من النوع الذي إن ذهب لن يعود، من عناوين كتب وأسماء مدن واختصارات ألقاب ترش الملح على جرح لا يستطيعون تطبيبه لأن أيديهم تكاد لا تصل إليه بالعلاج، أشخاص أدّعي حين أتأملهم أني أشبههم أو أشبه تلك اللحظة المتأملة فيهم، يعيشون كالناس ولا يعيشون، أضع أحلامي السرية فيهم فيهم.

نزعتهم الرسالية في: الدين، المبدأ، الحرية، الإنسانية، المرأة، الضحك، العفوية، الفزعة، الفرح اللامشروط، الشاي، القهوة، البحر، السماء، المطر، السفر، الحذاء الخفيف، الكتب، الموسيقى، الشعر، الصمت، الأناقة، اللوحات الجميلة..حياتهم وموتهم، منامهم وصحوهم لكل هذه الأشياء مجتمعة أو واحدًا منها على الأقل، يجعلني أنتمي إليهم الآن غدًا وحتى بعد حين.

أيام بين شيكاغو وباريس

كتاب خفيف ظريف لطيف، قرأت منه القليل ثم تركته وعدت له بعد مدة طويلة لفصله الثاني في باريس، ألاحظ تطور أسلوب كتابة الأحمري بين هذا الكتاب ومقالته الحالية منها توثيقه لرحلته إلى إيران، جيد أنه نشر الكتاب وإلا لو جاء الزمان الآن لما كان فعل فحين ترجع كفة الشجاعة على الحكمة باليسير يستفيد الكثير، وكم من حكمة وتهيب من النشر لأجل التجويد ضيعت على القراء فوائد راح أصحابها تحت التراب ولم تنشر البتة.

في الكتاب نظرة جميلة لسعودي في زمن كان يلقى على الغرب فيه بطائلة كل مصيبة تحدث في الشرق، ويتشدق الخطيب من منبر  تحت مكيف من صنعهم بأنهم أصل للانحلال الأخلاقي وبأنهم أخذوا منا الحضارة، وهذا حديث كنا نصدقه لجهلنا بالحقيقة وإن كان فيما يقول شيء من الصحة، لكن المواقف الحادة، والتصنيف الأبيض والأسود لابد أن يشكك في مدى ضيق الأفق الذي جعل كل شيء في عالم مغاير سيئًا.

اقتباسات من الكتاب: متابعة قراءة أيام بين شيكاغو وباريس

آلاف ندف الثلج

الرواية كأسوأ مصادر التاريخ.

سأحتاج الكثير لأشفى. كما حدث مع رواية ١٩٨٤م، أقف على مسافة خمسين صفحة من الرواية الثقيلة على خلاياي ألف شمس مشرقة،  تعذبني وأحبها، أتجاوز بعض صفحاتها إلى الكيبورد لأبحث عن مدى صحة ما قرأت، أتركها للنوم، ثم أعود للعمل، مهمة أخرى حول كتاب عن طائرات الدرون، طائرات دون طيار، هو كتاب لمايدا بنجامين حول حرب الدرون، القتل عن بعد، وسينزل قريبًا باللغة العربية بعد ترجمته، كنت أتجاوز المعلومات المهمة فيه حتى وصلت لهذه الفقرة:

“كتبت المحامية الأمريكية الباكستانية رافيا زكريا، قائلة: “يجلس مشغل طائرة درون، في مكان ما في الولايات المتحدة، في حجرة وبيده عصا للقيادة، ويتحكم في طائرة بلا طيار مزودة بقنابل مميتة. يقوم بالتصويب، بما يشبه كثيرا لعبة الفيديو، ويطلق النار على أهداف يراها على خريطة أقمار صناعية… يُقتل الهدف في بعض الأحيان، ولا تكون المعلومات الاستخبارية صائبة في أحيان أخرى، لتدفع عائلة نائمة أو تحتفل بزفاف الثمن الأكبر لسوء الحسابات. تستفيد طالبان على الدوام، بكل الأحوال، من الضرر والفوضى الناتجين عن ذلك، وتجند مقاتلين جددا، وتفعل من حركة مقاتليها القدامى. لا ينتشر الإرهاب، بالتالي، في القرية التي هاجمتها طائرة الدرون فحسب، بل في الأماكن كافة: في أسواق بيشاور، وشوارع لاهور، ومؤسسات إسلام أباد، حيث ينتقم أولئك المجندون غضبا من هجمات طائرات الدرون”.  

 وبينما يقتل العديد من الناس بطائرات الدرون، فإن القليل يجنون الكثير من المال.

حين تعرف مثل هذه الحقائق، تتوازن عندك النظرة تجاه السياسات، تجاه الموقف المعتاد من الغرب، وتصبح نظارة صورة الظلم والاستبداد وانعدام الإنسانية ورخص الدم موضحة جدًا، سأكتب أكثر عن الرواية، حتى ذلك الحين أعطيكم مقطعًا يعكس الجانب الحزين للمرأة هناك، ومنه اقتبست العنوان:

“Mariam lay on the couch, hands tucked between her knees, watched the whirlpool of snow twisting and spinning outside the window. She remembered Nana saying once that each snowflake was a sigh heaved by an aggrieved woman somewhere in the world. That all the sighs drifted up the sky, gathered into clouds, then broke into tiny pieces that fell silently on the people below. As a reminder of how people like us suffer, she’d said. How quietly we endure all that falls upon us.”

الكتابة خارج المدونة.

بعض الأشخاص أخبروني بأن متابعتهم لي ستسهل لو كتبت في الفيسبوك، أو تويتر لتتحقق الفائدة العظمى.

أشعر أحيانًا بتوتر خفيف من مراقبة تنعكس على ما سأكتب ويمسه شيء من إرضاء أو إضحاك على حساب التعبير عن الذات وتجويد الكتابة، للكتابة نفسها ولي وللقارئ.

الأشياء الجميلة تطير مع الفيس بوك وتحلق مع تويتر، ولن أجدني أعود كثيرًا لمقتطفات يكتبها أحدهم على صفحته أو في خانة ملاحظات الفيس بوك مالم تكن مسألة حياة أو موت.

أتذكر ليالي صيف عام 2000، حين كنت أجلس بهدوء خلف شاشة الكمبيوتر الصندوقية الحجم، وأستمع لمقطوعة تطنب لها أذني وتتجسد فيها نظرية الكلب بافلوف، ثم أفتح صفحات مواقع كثيرة لم تعد موجودة الآن، وأحفظها، ثم أغلق الإنترنت لأنه كان مربوطًا بالهاتف وأبدأ بالقراءة اللذيذة، الاستمتاع بالنصوص المفصلة، السماع لحكايات أناس قريبين مني مكانًا وزمانًا، قراءة نصوص أدبية طويلة لأسماء وهمية، لم يكن لشيء يومها أن يستحق وقتي كتلك اللحظات.

كنا أعمق وكان ما نقرؤه أشد ثبوتًا، وأريد أن يكون ذلك الآن أيضًا، لذك أكتب هنا، وأشجع الجميع للعودة مهما كانت طريقة العرض، كتب فهد الحازمي مدونة جمع فيها أغلب ما يمكن أن يجيب على سؤال: بعد الإنترنت.. هل أصبحنا سطحيين؟، وهناك سلسلة مقالات تحولت لكتاب تتحدث عن أثار تتعمق في النفس من جراء الفيس بوك المهم أنني بحثت ولم أجد المقال لأنني نسيت كاتبه وعنوانه.

كيف نتابع إذًا؟

بعد أن رقد القوقل ريدر بسلام في قبره نقلت كل خلاصاتي لموقع feedly هنا يمكنكم أن تتابعوا كل شيء بعيدًا عن الضوضاء وخصوصًا المدونات، ومن ضمنها مدونتي، وتصنفوها كما تشاؤون.

ثورة دي ولا انقلاب؟

A Thousand Splendid Suns أو ألف شمسٍ مشرقة، بين يدي الآن هذه الرواية الخفيفة في الوزن ولا أدري إن كانت ثقيلة المضمون أو لا، فالزمن علمني ألَا أحكم على كتابٍ من صفحاته الأولى ولو كانت الصفحات قبل الصفحة الأخيرة، هذه الرواية الأولى التي تمضي في يدي بهذه السرعة وهي باللغة الإنجليزية ليس لاحترافيتي العالية فيها ولا لمستواها المبتدئ ولكن لأن أحداثها تشد، مكان جديد لم أقتحمه من خلال رواية وإنما من مجرد الأخبار، وما تبقى من ذكريات لمشاهد مرئية ترافقها أناشيد لازلت أحفظها للمجاهدين هناك في حربهم ضد الروس.

سأترك رأيي في الرواية إجمالًا حتى أنجزها وألتقي بمجموعتي القرائية التي اختارتها ونتناقش فيصبح الرأي أكثر متانة ورسوخًا، إلا أنني سأتحدث عن صفحة أعجبتني، يتحدث المؤلف فيها عن أستاذة تدرس في الفصل آمنت أن انقلاب ١٩٨٧ الذي يعرف بانقلاب إبريل لم يكن انقلابًا ولكنه ثورة.

هذا الانقلاب قام به أتباع الحزب الماركسي آنذاك ضد من انقلب على الشاه في ذلك الوقت وأنهى الحكم الملكي ليحوله لنظام جمهوري، الانقلاب الأخير حدث وقام منفذوه بإعدام الرئيس السابق وكل عائلته، وبدأ يحكم ويطبق مبادئ لم يعتد عليها الشعب المسلم، قامت الحرب الأهلية بعد سيطرة النخبة  على قوانين الحياة  كالزواج والأحوال الشخصية وأرادت تعديلها بما يتناسب مع المبادئ الشيوعية، واستعانت لصد هذه الهجمات من فصائل رافضة لهذا التغيير بالنظام السوفييتي، النظام السوفييتي بدأ بالمساعدة لكن الأمر زاد عن حده ثم جاءت مخابراته بمعلومات تفيد أن القيادة الحالية ضعيفة لا توفر الأمان وقد تكون عميلة لأمريكا عدوتها فاحتلت أفغانتسان، ولكنها واجهت صعوبات في فرض سيطرتها على خارج كابل مع الأرض الجبلية وحرب العصابات التي لم تكن معتادة لها، رفضت أمريكا هذا الغزو وعدته تهديدًا للسلام الأمني العالمي و وقفت السعودية في صفها، ومعها دول الخليج وأرسلت المجاهدين وحثتهم على الخروج إلى أفغانستان وتم ذلك برضاها، ومن بعد رضاها كنت أجد أحيانًا وأنا صغيرة في بعض المساجد النائية ملصقات تحث على الجهاد وأرقام هواتف لمن أراد الالتحاق به، ثم حين وعيت أكثر شاهدت تسجيلات المجاهدين هناك، النهاية هي ما تعرفونه، هذه البلد التي لم ترحمها الحرب وبقيت تتقطع حتى الآن بين أطراف يدركون أو لا يدركون الويلات التي يجنونها على أنفسهم وعلى مبادئهم وأوطانهم.

لفتني موضوع تسمية الانقلاب وإصرار الأستاذة على أنه ثورة، لفتني تشابه الفكرة مع اختلاف العوامل والمعطيات، لكن  النهاية المستمرة حتى الآن هي ما أفزعني، وهي ما لا أريد لمصر أن تصل إليه.

الصفحة التي ذكرت ما قصدت في الرواية وعنت المعلمة في حديثها بكلمة انقلاب العربية ثورة، وبـ coup معنى الانقلاب الحقيقي الذي ترفضه.

إلى عائشة..

على رأس الطريق أقف ولا أعرف النهاية، وأشعر أن الحمل ثقيل، يبدأ بحديث الناس، خيالاتي، الاحتمالات المتوقعة لما يمكن أن تشعري به، كلها تتكثف حتى تملأ الطرقات البيوت الأقفال تنزلق على الجدران تصل للركب ثم تكاد تخنق الأنفاس، وأنا يقتلني العجز وسط دموعك، وسط سهرك حيث لا أعرف أين لكنني أحاول التخيل، تخيل البرد، برد الشعور برد المكان، لا أصطنع شيئًأ إنما أترك يدي تكتب بهدوء، ومعاها تنساب دمعتي.

رقة قلبك العزيز أمام آلاف القلوب الزاعمة الحب المتضخمة بالصور المتغنية بالشعارات، الممتلئة بفتات الطعام التي لم تمتلئ يومًا بغيره، ذكاؤك الذي سيصدمون به وسط أكوام غبائهم حتى خيل لهم أنه السائد الطبيعي، زوجك الشامخ رفضه للظلم الذي لم يترك أحدًا، وقوفكما معًا ضده، حرية الإنسان، كرامة الوطن، عدالة للجميع.

يقتلني العجز ودموع أطفالك الصغار، الذين أعلم كيف يرتقبونك، كما كنا نترقب تلويحة عباءة أمي وهي عائدة من المدرسة، تحمل لنا أقلام السبورة وصور إنجازات طالباتها، فماذا ستحملين؟ أحمد الصغير الرضيع ذو العينين اللامعتين والابتسامة المرحة، كأن شعور الأمهات يجتمع اليوم فيني بشعور الأطفال فأحمل هميهما معًا، كيف وأنت بعيدة وهم بعيدون منذ أربعة أيام.

يقتلني العجز أمام شعار شكرًا للقائد، هل يعرف عنك قائدك شيئًا، يقتلني العجز أمام شيخ تحدث عن أن المرأة روح المكان هل أحس بروحك وسط تكاثف الأرواح المبهرجة حوله، يقتلني العجز أمام آخر تشدق بدعمه، تقتلني شعارات تمكين المرأة في وطني، ماذا عن تمكينك من حرية العيش في الوطن؟ خارج الوطن؟ الوصول لأبنائك؟ الإحساس بالأمان؟ إيقاف الدمعة قبل أن تميل على الخد؟

هل أنت في غرفة؟ هل معك أحد؟ هل الغرفة مغلقة بباب؟ أم بقضبان؟ لا يهم فأي قصر تقيد فيه الحرية يغدو زنزانة، وهل وضعوا في يديك الرقيقتين القيد؟ هل تبقت رجولة فيمن رضي أن يستجوبك؟ من رضي أن يعتقلك؟ مبررين عبوديتهم المستلذين بها بعبارة تلتف حول عنقهم كقيد يقبلونه صبح مساء؟ “عبد المأمور”

تبعدين عن أطفالك، يشهد العالم هذه الجريمة المقترفة في حق أجمل ما في الوطن وفي حق ما تبقى من سمعته، لا أعرف كيف أعتذر لك عن كل دقيقة، لا أعرف عمن سأعتذر؟ عن الشعب الذي يلتفت ليقول الصدق، الرجال الذين يرمقون مافي جيوبهم متناسين مافي عقولهم، عن الوطن الذي خانه مؤتمنون عليه، أم عن ضعفي الذي لا يملك سوى هذه الكلمات..

#الحرية_لعائشة_الزعابي

يا ليل

في الليل تمتد الأنامل تطرق بخفة على الكتب المصفوفة وتنتقي بكل مهارة في نهاية التربيت الخفيف ديوان شعر، فبعد أن كانت الأذن تريد قصة قبل النوم، اختزلت الأحداث وأرهف السمع لشعر بعيداً عن الواقع والخيال، يكثف الفكرة في قافية ويترك المدى بلا حد ويطرب لموسيقى تصنعها أوتار عقله، أحب الشعر وأحب الليل، وأعشقهما حين يجتمعان.

قصيدة جميلة ليست بتلك المتانة الشعرية، لكنها تحكي الوجه المتفائل لليل:

أنا رغم غضبة دهري المجتاح ياليل، ماسمع الزمان نواحي ‏

وهزئت بالشكوى وكيف أعيرها طرفي؟ ودنيا الحب تملأ ساحي ‏

ياليل!! نام بك الخلي ومقلتي يقظى، تجول بنجمك اللماح

وبعدت فيك عن الحياة وأهلها من عاشق صب ومن ملتاح

يا ليل؟ أين رؤى الجمال فليس لي إلا الجمال يطيب فيه صداحي

دنياه زورقي الحبيب يطوف بي عبر النجوم وصبوتي ملاحي

أنا والجمال وأنت تعلم غدوتي يا ليل في سرحاته ورواحي

إلفان، أمنحه الوداد فينثني يملا لي الأفراح في أقداحي ‏

أشتاقه فأراه بين جوانحي في مقلتي في قلبي الممراح

في بسمة الطفل البريء ولهوه في الورد في الإمساء والإصباح

أطبقت أجفاني عليه منعماً وبعدت عن شجني، وعن أتراحي ‏

مدحة عكاش