عندما لا تبكي النساء/ فيلم دانجال

أود أن أخبركم بشيء يجعلني أشفق على نفسي أحيانًا أو أتناسى هذه الشفقة ليحل محلها شعور ناقصٌ بالقوة. أنا لا أبكي على الأقل ليس أكثر من خمس مرات في السنوات الخمس الأخيرة، لم أبكِ حين غادرت منزل أهلي إلى بيت زوجي، ولا على الأفلام التي تعرض مقاطع للأم والأب أو مشاهد الدمار المفجع، ولا حين أشعر بثقب في صدري لذكرى، ولم أبك حين ودعت من أحب إلى التراب، ولا حين رأيتهم شوقًا، لا فرحًا ولا ترحًا، طوفان من المشاعر يعبر قلبي وأوردتي أحسه في رفة أذني ورؤوس أصابعي، كما حدث مع لوسي في مشهد من فلمها (lucy) كانت تكلم فيه أمها بعد أن تسربت المادة التي رفعت مستوى وعيها إلى آخر أوردتها:

Lucy: Mom?
Lucy’s Mother: Yes.
Lucy: I feel everything.
Lucy’s Mother: What do you mean, sweetie?
Lucy: Space. The air. The vibrations. The people. I can feel the gravity. I can feel the rotation of the earth. The heat leaving my body. The blood in my veins. I can feel my brain. The deepest parts of my memory.
Lucy’s Mother: Sweetie, we have a bad connection. I can’t hear you so well. What did you say about memory?
Lucy: The pain in my mouth when I had braces. I…I can remember the feeling of your hand on my forehead when I ran a fever. I remember stroking the cat, it was so soft.
Lucy’s Mother: The cat? What cat, honey?
Lucy: That Siamese with blue eyes and a broken tail.
Lucy’s Mother: Sweetie, you can’t possibly remember that. You were barely a year old.

هكذا أحس بالأشياء من حولي لكنها لا تزيد عيني إلا جفافًا، وتأتي على ما تبقى من موطن لين في قلبي فيتصلب بريح الحزن أو الغضب أو الفرح حتى، (حسنًا ها أنت تستطردين من جديد)، يرقبني من حولي في موقف لا ينتظر أحدهم مني سوى أن يرى لمعة انهمار على الخد، ولا يحدث شيء سوى ابتسامة بلهاء، يحرجني ذلك حين يشعرون أنني بلا قلب أو أن ما حدث لم يكن على عظمه كفيلًا بهز الجبل، ولكن أتمنى دومًا أن تكون هناك شعارات لأي امرأة مثلي (عندما لا تبكي النساء)، دلالة على فداحة الخَطب، كما في (حين يبكي الرجال)، وأخيرًا وجدت عنوانًا لهذه التدوينة، الحقيقة أنني كنت سأتحدث عن فيلم دانجال، ولكن مقدمة ابنة نور (جدي اسمه أحمد نور وأحب اسم نور) طالت أكثر مما ينبغي لها.

دانجال

المكان الأمثل لمشاهدته هو السينما بالرغم من أني لم أعد أذهب لها كثيرًا انتهى الهوس وبدا لي سريري والماك بوك  أكثر جاذبية، إلا أن رائحة الفشار المكرمل، ورقائق البطاطا، وصلصة الجبن، والهلبينو، ومقعد في الخلف مع صديقات يفهمن القصد بمجرد إيماءة، هي عدة ساحرة لمشاهدة الأفلام الهندية، التي لم أدمنها في حياتي ولا يعلق في ذهني منها إلا صور من الطفولة، عدت إليها بعد مجموعة أفلام في السنوات الأخيرة تستحق المشاهدة بتقديمها شيئًا مميزًا بعيدًا عن ما يمكن نعته بـ “فلم هندي” كإشارة لكثافة الدراما، وطفحان المبالغات، والرقص المؤبد، هذه الأفلام المميزة مثل: PK، The highway, Bajrangi Bhaijaan

دخلت قاعة السينما في الوقت المحدد تمامًا مع عدتي، وقد أوصتني صديقتي التي شاهدت الفلم أن أحضر معي الكثير من المحارم الورقية لأنني سأبكي!، قالتها بكل تأكيد، ولم أرد عليها متذكرة تاريخي مع هذا السد الجاف، إلا بـ ياليت!، بدأ الفيلم بأغنية يمكنها أن تعلق كدودة في الأذن، (دانجال دانجال)، الفيلم يحكي قصة الأب الذي أنجب فتاتين علق عليهما حُلمًا لا يليق إلا بالصبيان، كان هدف نيل ميدالية عالمية في المصارعة فشل في تحقيقه فأراد تحويله إليهم، وأي أب لا يريد لأبنائه أن يكونوا أفضل منه، القصة متطورة في بنائها فهي تصور الأب في كل حالاته في قسوته وحنانه وأخطائه التربوية وإيمانه وشكله الذي يبدو محرجًا حين يصغر في عيون أبنائه المراهقين بعد اكتشافهم بأنه ليس بطلهم الخارق وحين يستعيد تلك المكانة بعد عبورهم من هذه المرحلة مدركين أنه مجرد إنسان، كان الفيلم مدعاة للتأثر، إلا أن سد عيني الأول انهار بعد أن أدركت ابنتاه أن ما يقوم به أفضل من الواقع الذي يمكن أن يواجهنه كفتيات في حي هندي فقير، يكون فيه الزواج نهاية قصتهم القصيرة، ناولتني صديقتي المحارم الورقية وهي تضحك، وكنت لأتخلص منها، إلا أنني بكيت مرة أخرى في نهاية الفيلم، وكان شعورًا هانئًا على قلبي الذي مل البكاء وحده دون أن تؤازره العين.

الفيلم مبني على قصة واقعية، بذل فيها طاقم العمل جهدهم لإيصال الفكرة، السيناريو متقن بالرغم من وجود بعض الرسائل الواضحة الفجة كخدمة الوطن وضرورة دعم الرياضيين وحتى فيما يتعلق بالمرأة، إلا أن ذلك يمكن التغاضي عنه أمام مشاهد المصارعة المصورة باحترافية، وما بذله عامر خان من جهد ليكتسب وزنًا في فترة قصيرة أثناء تصوير الفيلم، والتمارين التي مارستها فاطمة وسانيا وزايرا وسوهاني ليكونوا كما هي القصة والتي استغرقت منهم أكثر من ستة أشهر، يستحق الفيلم المشاهدة من الجميع، مع احتياطي من المناديل الورقية للبكاء سواء كانت حالتك مثلي أو أشد.

ترشيحات التدوينة (سأضع نهاية كل تدوينة قادمة مجموعة من الترشيحات لأشياء تمنيت أن يشاهدها آخرون).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *