هذه الأيام للشِعر

هذه الأيام للشِعر، أجد في اللغة المنثورة حكيًا مكروراً، وفي الاقتباسات علبًا بطعام تطغى عليه رائحة المواد الحافظة وهي تشي بكذب الظاهر “خالي من المواد الحافظة”، الشِعر الجيد الذي يعجبني في اختزال الفكرة وهو يصفها كلمات راقصة، لا تحتاج لكل هذا الغثاء اللغوي الذي كثيرًا ما أمارسه وأنا أراقب الأشياء وأبدأ في تدوين الفقرات، وحياكة القصص المبهرة، أتذكر قدرتي على الكذب الكثير الكذب الحِلو الذكي الذي لا يكشفه أحد والمندرج تحت خانة كيد الأنثى، ما بكم حتى الكذب تمكن جندرته، ثم أتذكر مثاليتي فأنسى كذباتي وأقرر الحقيقة والشفافية وكل الأشياء التي أقررها مع نفسي في البدايات، ما أحبه في اختيارات الشِعر أنني لا أهتم لعامِل ما فيه، هو المزاج وكل ضوضائه يحدد.

يبدأ الصباح، يسرني أن أقرأ وأردد لكعب بن زهير:

لَوْ كُنْتُ أَعْجَبُ منْ شَيءٍ لأعْجَبَنِي

سَعْيُ الفَتَى وهو مُخْبُوءٌ له القدَرُ

يَسْعَى الفتى لأمورٍ لَيْسَ مُدْرِكُها

والنفسُ واحدة ٌ والهمُّ منتشرُ

والمرءُ مَا عَاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَمَلٌ

لا تَنْتَهِي العين حتى ينتهي الأثر

في الظهيرة الصغيرة، يكون الوقت مشغولًا بأشياء كثيرةَ يكفيه بيتان لعنترة ليبقى على قيد النهار:

لقدْ ذلَّ منْ أمسى على رَبْعِ منْزلٍ

ينوحُ على رسمِ الدَّيار ويندبُ

وقدْ فاز منْ في الحرْب أصبح جائلا

يُطاعن قِرناً والغبارُ مطنبُ

نَدِيمي رعاكَ الله قُمْ غَنِّ لي على

كؤوسِ المنايا مِن دمٍ حينَ أشرَبُ

ولاَ تسقني كأْسَ المدامِ فإنَّها

يَضلُّ بها عقلُ الشُّجَاع وَيذهَبُ

حين أعود من أي عَمل، يكون الوقت للشابي، يشبهني هذا الشابي جدًا في وصف الأشياء التي تَعمَلُ داخله في أكثر قصيده كما لو أنها بركان، أو مجلة ملونة تتقلب بسرعة، أو عشرات الـ (TAB) في رأس المستصفح، كأن عيني منشورًا مثلثًا يدخله الضوء ويعكس عليه حفلة راقصة في داخل هذا العقل الذي يكتفي بلمعة العين ردة فعلٍ لصخب لا يتوقف، يحكي الشابي عن قلبه واصفًا إياه فيقول:

فيه الشُّموسُ وعاشتْ فَوقُه الأممُ

يا قلبُ! كم فيكَ من كونٍ، قد اتقدَتْ

كواكبٌ تتجلَّى ، ثُمَّ تَنعِدمُ

يا قلبُ! كمْ فيكَ من أفقٍ تُنَمِّقْهُ

فيه الحياة ُ، وضجَّت تحتُه الرِّمَمُ

يا قلبُ! كمْ فيكَ من قبرٍ، قد انطفَأَتْ

منه الجداولُ تجري مالها لُجُمُ

يا قلبُ! كمْ فيكَ من كهفٍ قد انبَجَسَتْ

أو وَرْدَة ً لمْ تشَوِّهْ حُسنَها قَدَمُ

تمشي..، فتحملُ غُصناً مُزْهِراً نَضِراً

إنْ يُسألِ الناسُ عن آفاقه يَجِمُوا

يا قلبُ! إنَّك كونٌ، مُدهِشٌ عَجَبٌ

عنكَ النُّهَى ، واكْفَهَرَّتْ حَوْلَكَ الظُّلَمُ

كأنَّكَ الأبدُ المجهولُ…، قد عَجَزَتْ

ولذَّة ٍ، يَتَحَامَى ظِلَّها الألمُ

يا قلبُ! كمْ من مسرَّاتٍ وأخْيِلة ِ

نَشْوَانَ ثم توارتْ، وانقضَى النَّغمْ

غَنَّتْ لفجرِكَ صوتاً حالماً، فَرِحاً

حتَّى توارتْ، وسار الموتُ والعدمُ

وكمْ مُشَتْ فوقكَ الدُّنيا بأجمعها

وتذْهَبُ الشمسُ والشُّطآنُ والقممُ

تمضي الحياة ُ بما ضيها،وحاضِرها

يَبْقَى على سطحكَ الطَّاغي، ولا ألمُ

وأنتَ، أنتَ الخِضمُّ الرَّحْبُ، لا فَرَحٌ

رقَّيتَها مَرَحاً، ما مَسَّك السَأمُ

يا قلبُ كم قد تملَّيتَ الحياة َ، وكمْ

هذي العَوَالمُ، والأحلامُ، والنُّظُمُ

وَكَمْ رسمتَ رسوماً، لا تُشابِهُهَا

وتستجدُّ حياة ً، ما لها قِدمُ

تبلُو الحياة َ فتبلِيها وتخلَعُها

مِثلُ الطَّبيعة ِ: لا شَيْبٌ ولا هرَمُ

وأنت أنتَ: شبابٌ خالدٌ، نضِرٌ

على القهوة الختامية حين تغرب الشمس، أودع الطعام في قرار اتخذته وأحاول التمسك به ما استطعت، أن أترك فمي للهواء يتغذى به عقلي ويهدأ هذا الجسد منشغلًا بأشياء أخرى، فيأتي عبدالمعطي حجازي في المساء:

ولكنني في المساء أبوح

أسير على ردهات السكينة

وأفتح أبواب صدري ،

وأطلق طيري ،

أناجي ضياء المدينة

إذا ما تراقص تحت الجسور

أقول له .. يا ضياء ، ارو قلبي فإني أحب !

أقول له .. يا أنيس المراكب والراحلين أجب

لماذا يسير المحب وحيدًا ؟

لماذا تظل ذراعي تضرب في الشجيرات بغير ذراع ؟!

ويبهرني الضوء والظل حتى ،

أحس كأني بعض ظلال ، وبعض ضياء

أحس كأن المدينة تدخل قلبي

كأن كلاما يقال ، وناسا يسيرون جنبي

فاحكي لهم عن حبيبي

وقبل النوم، تودعني أبيات دنقل:

لماذا إذا ما تهيَّأت للنوم.. يأتي الكَمان؟..

فأصغي له.. آتياً من مَكانٍ بعيد..

فتصمتُ: هَمْهمةُ الريحُ خلفَ الشَّبابيكِ,

نبضُ الوِسادةِ في أُذنُي,

تَتراجعُ دقاتُ قَلْبي,..

وأرحلُ.. في مُدنٍ لم أزُرها!

شوارعُها: فِضّةٌ!

وبناياتُها: من خُيوطِ الأَشعَّةِ..

صارَ الكمانُ.. كعوبَ بنادقْ!

وصارَ يمامُ الحدائقْ.

قنابلَ تَسقطُ في كلِّ آنْ

وغَابَ الكَمانْ!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *