تخلَّصتُ منِّي

كانت الأشياء تلحقُني مثل جيش وحوشٍ قزمِي، وعيي بها يوجدها، وإلا فقد كانت متراكمةً منذ سنوات، شعوري بالحاجة لمصادر اتكئ عليها في الكتابة فجأة حتى أبدو محترمة، أساء لثقتي بلغتي، وعطل مناطق الإلهام التي أصبحت كذلك حين هُجِرت، هاهي اليومَ تعاقبني، وتتمنع جدًا.

سأرمي كل شيء، أنا من أولئك المتنكرين للذكريات الملموسة، باعتبارها خيانةً للمحشوة في الرأس، هل يحتاج الذي لا يغيب إلى تنبيهٍ بقصاصة ورقة أو صورة، أو هدية لم تعد تناسبني أو تغيرَ ذوقي معها؟، ليس نقصًا في عاطفة لكنني أفاجئ كل من يقولُ لي ماذا تريدين كهدية: فأقول له: ذهب كيف أرمي الذهب، – آلاء وأين ذهبت الكتب والزهور؟ – الكتب أصبحت مسموعة أو إلكترونية أخف على يدي وعيني، أما الورود ألم تقرؤوا لدنقل؟ – المجد للشيطان معبود الرياح؟ – لا ليست هذه، (كل باقة.. بين إغماءة وإفاقة.. تتنفس مثلي – بالكاد- ثانيةً.. ثانيه، وعلى صدرها حملت – راضيه، اسم قاتلها في بطاقه!)

هكذا أتبني المبادئ في حياتي، قررت أن أرفع معدل بساطتي الموجود أصلًا بشكل طبيعي بما يتواءم مع شخصيتي مرورًا بالأحداث التي تضمنت تخزينًا في حياتي وانتصرت عليها في مراحل التجهيز للزواج والسفر والانتقال من بيت لآخر كانت مجموعة أشيائي تقل، قرأت الفترة الماضية كتاب سحر الترتيب لماري كوندو وشاهدت فيلم the minimalists، وقمت بحملة ترتيب كانت نتائجها أنني أملك الآن: نصف خزانة ملابس معلقة، 6 أحذية، 3 أرفف لكل ملابسي المطوية، رفان لأدوات التجميل والشَعر والمجوهرات.

الأقدم من كتاب ماري وهبَّة التبسيط الإيجابية، هو مشهد جورج كلوني، في فيلمه Up in the air، حين شاهدته قررت في لحظة عميقة بيني وبين نفسي أنني لن أثقل نفسي بالأشياء ما حييت وما استطعت إلى ذلك سبيلا، للسفر، اشتريت حقيبة أصغر من حقيبته في هذا المشهد، ولم أعد ألقي بالأمتعة في شَحن الطائرة، بل آخذ حقيبتي الصغيرة لداخلها، الحقائب الكبيرة مضيعة للوقت ولا يمكنني أن أمارس العنصرية تجاه بنات جنسي فقد شاهدت من الرجال من يحمل حقائبًا أكثر منهن.

الوقت يضيع في انتظار الحقيبة ثم حيرة أمام الملابس، ضياع الأشياء، صعوبة وضع شيء إضافي فيها، الأشياء التي سترتديها مجعلكة لأنها احتاجَت لكي، والأشياء التي لَن ترتديها لأنها تحتاج لكي، وياللمفاجأة أصحاب الحقائب الصغيرة أكثر أناقة لأنهم اختبروا هذا الرداء مئات المرات ولم يخذلهم حذاء أسود وبنطال رسمي أزرق وقميص بلون وردي باهت في أن يتماشى مع كل شيء.

الشعور بالتخفف لا يساويه شيء، لقد تخلصت مني معنويًا من أشياء ترتبط بي، وتوقفت عن التفكير في هندسة التخزين، للتفكير في أشياء أجمل، بقيت بعض الأشياء التي أود التخفف منها، ولم أفعل لشيء من كسلي، أهمها الكتب، ولكن سيأتي هذا اليوم كما جاء غيره.

مراجعتي للكتاب على الـ goodreads

هنا مدونة تشرح بشكل أفضل مني ما فعلته ماري

وهنا وهنا مقاطع الفيلم المهمة من Up in the air

تدوينة مشاعل الدريعان

 

هذه الأيام للشِعر

هذه الأيام للشِعر، أجد في اللغة المنثورة حكيًا مكروراً، وفي الاقتباسات علبًا بطعام تطغى عليه رائحة المواد الحافظة وهي تشي بكذب الظاهر “خالي من المواد الحافظة”، الشِعر الجيد الذي يعجبني في اختزال الفكرة وهو يصفها كلمات راقصة، لا تحتاج لكل هذا الغثاء اللغوي الذي كثيرًا ما أمارسه وأنا أراقب الأشياء وأبدأ في تدوين الفقرات، وحياكة القصص المبهرة، أتذكر قدرتي على الكذب الكثير الكذب الحِلو الذكي الذي لا يكشفه أحد والمندرج تحت خانة كيد الأنثى، ما بكم حتى الكذب تمكن جندرته، ثم أتذكر مثاليتي فأنسى كذباتي وأقرر الحقيقة والشفافية وكل الأشياء التي أقررها مع نفسي في البدايات، ما أحبه في اختيارات الشِعر أنني لا أهتم لعامِل ما فيه، هو المزاج وكل ضوضائه يحدد.

يبدأ الصباح، يسرني أن أقرأ وأردد لكعب بن زهير:

لَوْ كُنْتُ أَعْجَبُ منْ شَيءٍ لأعْجَبَنِي

سَعْيُ الفَتَى وهو مُخْبُوءٌ له القدَرُ

يَسْعَى الفتى لأمورٍ لَيْسَ مُدْرِكُها

والنفسُ واحدة ٌ والهمُّ منتشرُ

والمرءُ مَا عَاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَمَلٌ

لا تَنْتَهِي العين حتى ينتهي الأثر

في الظهيرة الصغيرة، يكون الوقت مشغولًا بأشياء كثيرةَ يكفيه بيتان لعنترة ليبقى على قيد النهار:

لقدْ ذلَّ منْ أمسى على رَبْعِ منْزلٍ

ينوحُ على رسمِ الدَّيار ويندبُ

وقدْ فاز منْ في الحرْب أصبح جائلا

يُطاعن قِرناً والغبارُ مطنبُ

نَدِيمي رعاكَ الله قُمْ غَنِّ لي على

كؤوسِ المنايا مِن دمٍ حينَ أشرَبُ

ولاَ تسقني كأْسَ المدامِ فإنَّها

يَضلُّ بها عقلُ الشُّجَاع وَيذهَبُ

حين أعود من أي عَمل، يكون الوقت للشابي، يشبهني هذا الشابي جدًا في وصف الأشياء التي تَعمَلُ داخله في أكثر قصيده كما لو أنها بركان، أو مجلة ملونة تتقلب بسرعة، أو عشرات الـ (TAB) في رأس المستصفح، كأن عيني منشورًا مثلثًا يدخله الضوء ويعكس عليه حفلة راقصة في داخل هذا العقل الذي يكتفي بلمعة العين ردة فعلٍ لصخب لا يتوقف، يحكي الشابي عن قلبه واصفًا إياه فيقول:

فيه الشُّموسُ وعاشتْ فَوقُه الأممُ

يا قلبُ! كم فيكَ من كونٍ، قد اتقدَتْ

كواكبٌ تتجلَّى ، ثُمَّ تَنعِدمُ

يا قلبُ! كمْ فيكَ من أفقٍ تُنَمِّقْهُ

فيه الحياة ُ، وضجَّت تحتُه الرِّمَمُ

يا قلبُ! كمْ فيكَ من قبرٍ، قد انطفَأَتْ

منه الجداولُ تجري مالها لُجُمُ

يا قلبُ! كمْ فيكَ من كهفٍ قد انبَجَسَتْ

أو وَرْدَة ً لمْ تشَوِّهْ حُسنَها قَدَمُ

تمشي..، فتحملُ غُصناً مُزْهِراً نَضِراً

إنْ يُسألِ الناسُ عن آفاقه يَجِمُوا

يا قلبُ! إنَّك كونٌ، مُدهِشٌ عَجَبٌ

عنكَ النُّهَى ، واكْفَهَرَّتْ حَوْلَكَ الظُّلَمُ

كأنَّكَ الأبدُ المجهولُ…، قد عَجَزَتْ

ولذَّة ٍ، يَتَحَامَى ظِلَّها الألمُ

يا قلبُ! كمْ من مسرَّاتٍ وأخْيِلة ِ

نَشْوَانَ ثم توارتْ، وانقضَى النَّغمْ

غَنَّتْ لفجرِكَ صوتاً حالماً، فَرِحاً

حتَّى توارتْ، وسار الموتُ والعدمُ

وكمْ مُشَتْ فوقكَ الدُّنيا بأجمعها

وتذْهَبُ الشمسُ والشُّطآنُ والقممُ

تمضي الحياة ُ بما ضيها،وحاضِرها

يَبْقَى على سطحكَ الطَّاغي، ولا ألمُ

وأنتَ، أنتَ الخِضمُّ الرَّحْبُ، لا فَرَحٌ

رقَّيتَها مَرَحاً، ما مَسَّك السَأمُ

يا قلبُ كم قد تملَّيتَ الحياة َ، وكمْ

هذي العَوَالمُ، والأحلامُ، والنُّظُمُ

وَكَمْ رسمتَ رسوماً، لا تُشابِهُهَا

وتستجدُّ حياة ً، ما لها قِدمُ

تبلُو الحياة َ فتبلِيها وتخلَعُها

مِثلُ الطَّبيعة ِ: لا شَيْبٌ ولا هرَمُ

وأنت أنتَ: شبابٌ خالدٌ، نضِرٌ

على القهوة الختامية حين تغرب الشمس، أودع الطعام في قرار اتخذته وأحاول التمسك به ما استطعت، أن أترك فمي للهواء يتغذى به عقلي ويهدأ هذا الجسد منشغلًا بأشياء أخرى، فيأتي عبدالمعطي حجازي في المساء:

ولكنني في المساء أبوح

أسير على ردهات السكينة

وأفتح أبواب صدري ،

وأطلق طيري ،

أناجي ضياء المدينة

إذا ما تراقص تحت الجسور

أقول له .. يا ضياء ، ارو قلبي فإني أحب !

أقول له .. يا أنيس المراكب والراحلين أجب

لماذا يسير المحب وحيدًا ؟

لماذا تظل ذراعي تضرب في الشجيرات بغير ذراع ؟!

ويبهرني الضوء والظل حتى ،

أحس كأني بعض ظلال ، وبعض ضياء

أحس كأن المدينة تدخل قلبي

كأن كلاما يقال ، وناسا يسيرون جنبي

فاحكي لهم عن حبيبي

وقبل النوم، تودعني أبيات دنقل:

لماذا إذا ما تهيَّأت للنوم.. يأتي الكَمان؟..

فأصغي له.. آتياً من مَكانٍ بعيد..

فتصمتُ: هَمْهمةُ الريحُ خلفَ الشَّبابيكِ,

نبضُ الوِسادةِ في أُذنُي,

تَتراجعُ دقاتُ قَلْبي,..

وأرحلُ.. في مُدنٍ لم أزُرها!

شوارعُها: فِضّةٌ!

وبناياتُها: من خُيوطِ الأَشعَّةِ..

صارَ الكمانُ.. كعوبَ بنادقْ!

وصارَ يمامُ الحدائقْ.

قنابلَ تَسقطُ في كلِّ آنْ

وغَابَ الكَمانْ!

مراجعة : في النظام السياسي للدولة الإسلامية

في النظام السياسي للدولة الإسلامية

الكتاب المكتوب بشكل صحيح لدرجة أنك ستخدع أن كل مافيه يمكنك أن تؤيده، قرأت هذا الكتاب في سنوات ماضية وانبهرت به انبهارًا وتبينيت بعض أفكاره ولابد أنها ساهمت في عقلي وفعلي، اشتريت منه أكثر من نسخة كل مرة تضيع وأتحسر على ملاحظاتي وإشاراتي ورسوماتي، أو أرثي لحال من سيعثر عليه ويقرأها .

الفترة الماضية عدت إليه من جديد وشعرت بالحزن أنه فقد قيمته الزمنية من ناحية الإجابة على أسئلة الخلافة، والتطويع الشكلي في المقارنة المباشرة بين الشورى والديموقراطية، هذا تلخيص بسيط لأحد أجزائه.

تلخيص فصل من كتاب في النظام السياسي للدولة الإسلامية
للدكتور محمد سليم العوا
من ص ١٣٤ إلى١٤٢
دار الشروق، الطبعة العاشرة، ٢٠١٢

هل يجب أن تقوم حكومة إسلامية في الدولة الإسلامية؟ وماهو العنصر الذي يميزها عن غيرها؟، يرى العوا أن ما يميزها هو الغاية التي يجب عليها أن تسعى شرعًا لتحقيقها، وهو أن تتوافر فيها صفة “الإسلامية”، وهي الخضوع لتعاليم الإسلام في جوانبها المختلفة، ويتحقق ذلك بأن يكون القائمون على وظائف الدولة ملتزمون بأحكام الإسلام، وأن يكون القانون العام المطبق في الدولة مستقى منها، وهذا هو مقصد الفقهاء في وجوب الخلافة، إذ لا يعني أكثر من قيام دولة تحقق الغاية التي رسمتها الشريعة للدولة، وهو في ذلك يحاول أن يهبها هذا المسمى في حين أن الدولة المعاصرة لا تحتاجه بالضرورة فالأهم هو المضمون والغاية قبل المصطلح والمسمى.

يعود العوا بعدها ليوضح وجهة نظره بعيدًا عن المسمى ويبين ما يقصد بمفهوم “الإسلامية” فيقول: ليس صحيحًا أن يكون الحفاظ من بعض الفقهاء على الشكل الذي قامت به الدولة الإسلامية في تاريخها أو التمسك بالوسائل الإدارية فيها إذ أنها قامت لتطبيق الغايات التي لا يمكن أن تؤديها إلا دولة، ولا تعني لفظة “الإسلامية” هنا ما يتعلق بالعقيدة والإيمان فهي ليست دولة دينية، وإنما ما يتعلق بالقانون الذي تعبر عنه الشريعة والفقه. فهي حكومة غالبيتها مسلمة، يخضع فيها الغالبية إلى القانون الذي ارتضوه، والمسيحيون واليهود وغيرهم شركاء في هذه الدولة بما فيها شؤون الحكم ما داموا يخضعون للقانون الذي لا يتغير إلا بالوسائل الديمقراطية التي تهب الحرية لجميع الأطراف، أي أنه يرى في النهاية أن القانون عليه أن يكون مستمدًا من الشريعة، وهو بذلك سيفرق في الفقرات القادمة بين الدولة العلمانية والإسلامية.

ويبين أن واجبات الرئيس في الدولة الإسلامية، تتلخص في كونها خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وإن مقصد إقامة الدين إلى جوار تدبير مصالح المحكومين هو الهدف الأساسي الذي تلتزم به الدولة، لذا أوجب الفقهاء على الحاكم أن تكون واجباته تدور حول تحقيق هذين الأمرين، وإذا كانت إقامة الدين تعني الآن الخضوع للقانون الإسلامي، فإن تحقيق مصالح المحكومين أيًا كانو بذات الأهمية، ولذا على الحاكم مراعاة ما يحقق خيري الدنيا والآخرة في المحكومين، فيوفر لهم الحياة الكريمة، من تعليم وصحة وحفظ مال، متيحًا لهم تطبيق شعائرهم الدينية وحرياتهم فيها، وضح العوا أهمية رعاية مصالح الناس إلا أنه لم يتوسع في مفهوم حراسة الدين من خلال جعله قانونًا، فالمصطلح ذاته المأخوذ من الماوردي يطرح تساؤلًا حول قوة هذا الدين الذي يحتاج إلى حراسة من فرد، واستخدامه في العصر يطرح تساؤلًا حول السياق الذي يمكن استخدامه فيه خاصة أنه صيغ في عصر الدولة العباسية التي لم تكن لتكون ديمقراطية أو يكون الحاكم اختير بالأمة.

ثم يقول إن أحكام الشريعة الإسلامية في جملتها تهدف إلى تحقيق مصالح الناس، وما من حكم جزئي أو كلي إلا ويخدم مصلحة خاصة، وهي أحد الخمسة، النفس والعقل والعرض والمال والدين، على أن تكون رعاية هذه المصالح وفق القواعد الإسلامية التي يعد التمكين لها جزءًا من وظيفة الحكومة الإسلامية، وأصل ذلك أمران: أولهما أن القواعد في الإسلام وضعت على أساس تفصيل مالا يتغير وإجمال ما يتغير، وذلك كونها شريعة خالدة، وبذلك يختار علماء كل عصر من الكليات ما يناسب ومنها (الأمور بمقاصدها) و(المشقة تجلب التيسير) و(العادة محكمة)، والثاني أن للحكام أن يقرروا ما يناسبهم من سياسة تقيم صلاح العباد، مما يقيمه العدل، وأيًا كانت الوسيلة في ذلك فهي شرع الله ودينه ما دامت تحقق الغاية، فإن من مبادئ الشريعة التوسعة على الحكام في السياسة الشرعية، ذكر العوا أن للحاكم أن يختار مافيه صلاح للعباد وهذا مفهوم إن كان مختارًا من قبل الأمة، لكن وضع كل هذه الصلاحيات في يده دون أن يكون كذلك ودون أن يحقق فيها مقصد الشورى فيه عسف، ويضيف، وبهذا جاز لأجهزة الدولة على تنوعها أن تأخذ بما ترى فيه صلاح أفرادها سواء كان ذلك النظام مطورًا عنها أوجديدًا ابتدعته أو مقتبسًا عن أنظمة أخرى أخذته كله أو أخذت ما يناسبها منه وعملت على تطويره، وبهذا علينا أن نفرق بين الأخذ بالشكل العملي للنظام ومراعاة الأسس الفكرية المبنية عليه فإن كان في الفكرة ما يخالف الشريعة اكتفينا بالأداة عنها.

ويبين العوا الفرق في سعي الدولة العلمانية إلى تحقيق مصالح المحكومين وسعي الدولة الإسلامية في الأصل الثاني إلى ذلك أيضًا هو أن الدولة العلمانية تهدف إلى تحقيق الصالح العام ويختلف هذا الصالح العام من دولة لأخرى وهي بذلك تربط هذا الصالح بأمرين أولهما أنه زمني ودنيوي دون عنصر ديني وروحي وثانيهما أن مضمون الصالح العام عندها يحدد من خلال الحياة الاجتماعية والسياسية في الدولة، في حين أن الدولة الإسلامية في رعايتها للصالح العام تتوجه إلى أسس سابقة لوجود الدولة دعتها الشريعة الإسلامية ولم تحدها مجموعة، فهي بذلك قائمة على الالتزام بالقانون الإسلامي، وهذه لازمة للدولة الإسلامية إذ بغيابها ينتفي الأصل الذي قامت عليه، ومصدر تقرير هذا الأصل هو القرآن والسنة وهي قواعد أعلى في قوتها الإلزامية من أي قواعد تضعه الدولة، وبذلك يكون الفرق أن الغاية في الدولة الإسلامية ركن أساسي تستند إليها في أركان قيامها وإن تغيرت وسائلها في حين أن الدولة العلمانية يقتصر دور غايتها على كونها أحد موجهات سياسة الدولة وقابلة للتغيير، تفريق جميل إلا أنه لا زال عامًا فمن الذي يحدد التأويل المقتبس من القرآن والسنة، أو آلية الاستقاء من هذين المصدرين، إن ترك الأمور على عمومياتها و وضع مقدس في مكانة فوق القانون تتيح استغلاله لمصالح سياسية.

يخلص العوا إلى أن الغاية في الدولة الإسلامية شرط بقاء كما هي شرط ابتداء، فشرعيتها مستمدة منها فإذا خرجت على مقتضى الشرط، انقضت ولايتها، ولم تجب على الناس فيها حقوق، وإذا قامت حكومة في زمن ما تحت ظرف من الظروف غير ملتزمة بهذه الغاية فهي حكومة غير شرعية، لا يجب طاعتها، فإن الحد الأدنى اللازم لطاعة هذه الحكومة هو تحقيقها لغايتها، فإن حل طارئ أخذ بقدره، وذلك لا يسقط عن الشعب محاولة استعادة قدرة دولتهم على تحقيق هذا الالتزام، ولا واجب إزالة الطارئ.

View all my reviews

المعطف

1365

الصورة لسماء في 1\1\2014

1

2014، كنت أنتظر بداية جديدة لأعود لهذا المكان وألتزم بالكتابة اليومية، كانت تراودني أفكار انتظار النضج، وعدم الرغبة في الحديث، والعزوف عن الكتابة للخارج من أجل الداخل، لكن اكتشفت أن بعض تلك الأفكارمصنفة بشكل رئيسي تحت عنوان الكسل والبعض الآخر تحت الادعاء، والادعاء هذا لوحده يمكن أن يتكاثر انشطارياً.

مع هذه السنة بدأت أفكر أين كنت السنة الماضية في مثل هذا الوقت؟ كنت في دولة أخرى جميلة، أجلس في بهو الفندق الهادئ، كانت رائحة الليمون الحاد من الفواحة في الاستقبال تنعش قلبي، وأمامي دفتر الرسم وعلبة الألوان الخشبية، وبدأت أرسم الأشياء التي أود أن يرزقني الله إيها خلال ال356 أيام القادمة، تذكرت اليوم أنني لا أزال أحتفظ بدفتر الرسم ذلك ركضت إليه وقبل أن أفتحه حاولت أن أتذكر ما رسمت لأنني خفت أن أصاب بخيبة أمل من نفسي، لم أتذكر شيئًا سوى أنني فتاة صديقة للحظ وكل الأقدار الطيبة تنساق لي وكل الأقدار السيئة تبتعد عني قبل أن أدرك أنها كذلك، فتحت الدفتر بهدوء وبدأت أطالع تلك الرسومات المضحكة، فإذا كل ما تمنيته تحقق!، أحسست بالامتنان و بالحزن على لحظة الشك الصغيرة، ووثقت بالله بأنه سيعطيني هذه السنة أكثر مما أظن.

السنة الماضية سافرت لأماكن جميلة، وتعرفت على أشخاص رائعين، وحققت إنجازات على المستوى العملي والعلمي، كل ذلك برفقة الإنسان الهدية الذي يزعجني كثيراً بطيبته اللامتناهية وجنونه غير المحدود وصداقته المؤبدة، هذا ما أتذكره بشكل عام ويبقى الجمال الحقيقي مودعًا في تفاصيل لا يمكن كتابتها، لكن إحساسي الأبدي يخبرني أن السنة القادمة مليئة جدًا لدرجة أنها ستفوق ما قبلها من السنوات، سأبقى هنا أحاول الكتابة اليومية عن كل شيء هناك تجارب كثيرة لهذا النوع من التدوين الإلزامي سأحاول أن أكون أحدها.

المعطف؛ هذه القصة الصغيرة التي قرأتها وأنا في انتظار إنهاء معاملة ما مع مؤسسة حكومية ثم أكملت القراءة في السيارة حتى انهيتها متناسية وصية والدي بتجنب قراءة أي شيء ثابت في أي مكان يتحرك لفترة ليست بالقصيرة حتى لا أصاب بالغثيان، ولكن (إلي ما يسمع رمسة أمه!) وأصبت به ، لا أدري من السيارة أم من القصة أم أن كليهما تجمعا علي. متابعة قراءة المعطف

عزازيل

 

بهذا الغلاف الجميل الذي اختار له المؤلف بشكل مجنون صورة لا أدري من أين أتى بها وألصقها بأحد شخصيات الرواية، اشتريت رواية عزازيل الصغيرة السمينة ذات اللون الداكن وكنت أقرأ منها قبل أن أنام وخبئتها لهذا الأمر حتى سمعت محاضرة عدنان إبراهيم لماذا لا نقرأ التي ذكر فيها أن القراءة بدفعة واحدة تجعلك تستوعب نسبة أكبر بكثير من القراءة المتقطعة فقطعت عهداً على نفسي في ليلة ليلاء أن أكملها كلها وفعلت.

الرواية تلخص ما يحتدم في كل إنسان متسائل بشكل عام وفي كل طالب علوم الدين بشكل خاص، الأصول، الوجود، الله، حقيقة البعض، مدى فائدته، تلك الأنوار التي تطمئنتك أنك تمشي في الطريق الصحيح وتلك الشكوك التي تأخذك إلى لا شيء ولا حتى إلى بحث جاد حتى تبدو وكأنك تستمتع بها.

في داخل كل منا هيبا ومن حولنا نسطور وأوكتافيا وميرتا وهيباتيا ويبقى المحور الأوحد هو الله ورحلة البحث عنه، عزازيل رواية دافئة تتحدث عن الصراع الذي نعيشه مادمنا قررنا في هذه الحياة أن نكون باحثين، تتحدث عن الرغبة الأرضية والسماوية وما بينهما.

أحببتها وأنصح من له مزاج مضطرب أن يقرأها.

وهنا أشياء علمتها بالقلم:
اللغة لا تنطق بذاتها وإنما ينطق بها أهلها فإن تغيروا تغيرت

يا ولدي حياتنا مليئة بالآلام والآثام، أولئك الجهال أرادوا الخلاص من موروث القهر بالقهر، ومن ميراث الاضطهاد بالاضطهاد، وكنت أنت الضحية

تمنيت ساعتها لو أصير شجرة مثل هذه للأبد شجرة وارفة الظلال وغير مثمرة فلا ترمى بالحجارة، هذه البلاد قاحلة وجفافها شديد، فلو صرت هذه الشجرة سأحنو على اللذين يستظلون بي وسيكون ظلي رحمة لهم أمنحها بلا مقابل سأكون مأوى للمنهكين لا مطمعاً لطالبي الثمار.. ابتهلت يومها بحرقة وناديت ربي في سري:  يا إلهي الرحيم خذني الآن إليك خلصني من جسدي الفاني هلا ودعت روحي وديعة في هذه الشجرة الحبيبة فأزداد تطهراً..

المسيح يا هيبا مولود من بشر والبشر لا يلد الآلهة .. كيف نقول أن السيدة العذراء ولدت رباً، ونسجد لطفل عمره شهور، لأن المجوس سجدوا له!.. المسيح معجزة ربانية، إنسان ظهر لنا الله من خلاله، وحل فيه، ليجعله بشارة الخلاص وعلامة العهد الجديد للإنسانية.

النوم هبة إلهية، لولاها لاجتاح العالم الجنون. كل مافي الكون ينام، ويصحو وينام، إلا آثامنا وذكرياتنا التي لم تنم قط ولن تهدأ أبداً.

الاعتراف طقس بديع يطهرنا من خطايانا كلها، ويغسل قلوبنا بماء الرحمة الربانية السارية في الكون.

أي ذكرى مؤلمة بالضرورة. حتى لو كانت من ذكريات اللحظات الهانئة، فتلك أيضاً مؤلمة لفواتها.

والفهم أيها الأحبة وإن كان فعلاً عقلياً إلا أنه فعل روحي أيضاً. فالحقائق التي نصل إليها بالمنطق وبالرياضيات إن لم نستشعرها بأرواحنا فسوف تظل حقائق باردة، أو نظل نحن قاصرين عن إدراك روعة إدراكنا لها

في باطن الأرض إذا حفرناها نرى الدود فهل ماتت الأرض؟ والدود ينخر في باطنها دون أن ندري؟ حتى يضمحل هذا العالم ويصير إلى العدم ونحن غافلون؟

أدركت بعد طول تدبر أن الآلهة على اختلافها لا تكون في المعابد والهياكل والأبنية الهائلة، وإنما تحيا في قلوب الناس المؤمنين بها، ومادام هؤلاء يعيشون، فآلهتهم تعيش فيهم.

واليوم لماذا أخاف الموت؟ خليق بي أن أخاف من الحياة أكثر. فهي الأكثر إيلاماً. ولماذا تتفرق سحب الإيمان من سمائي كل حين. إيماني مثل سحابات الصيف رقيق، ولا ظل له.

لا ينبغي أن نخجل من أمر فرض علينا مهما كان مادمنا لم نقترفه.

كل الكائنات تحب النزول وتبتج له إلا الإنسان الذي يخدعه وهمه وتحدوه أحلامه فيبهجه الصعود والترقي. ربما كان ذلك فطرياً في الإنسان وطبيعته فهو امتداد للإله العلي.

القوقعة

في كل مرة آتي فيها لأختار شيئاً من أدب السجون أفكر هل هناك ترف ما يحوطني لأحتاج أن العودة لإنسانيتي و زهدها وخفتها ونقائها أم أن ذلك مجرد سكب الكلونيا على جرح مفتوح في صدري؟

مصطفى لا يحكي عن بطولة التواجد في السجن لمدة ثلاثة عشر عاماً فهو يعلم أن البطولة اختيار لا إجبار وتبدو في أكمل صور نفاقها حين تأتي صدفة بعد أن زج به في سجون الأسد إبان أزمة الإخوان المسلمين كمسيحي ليس له علاقة بهم، إلا أن أجمل سنين عمره التي قضاها في مجرد التفكير كانت كفيلة أن تصنع منه إنساناً مولوداً من جديد والحياة مجرد الحياة يا صاحبي بطولة!

المختلف في القوقعة أنه لا يحكي من منطلق متهم أو ضحية!، هو بين البين لا يرفع الشعارات التي يؤمنون بها، هو سجين من الطرفين من قبل النظام ومن قبل ضحايا ذلك النظام.

أغلب ما كنت أفكر فيه وأنا أقرأ: كيف تبدو الحياة رخيصة عند من يظن أنها له وحده وأن الدنيا تدور عليه وهو محورها، والأخرى كيف يمكن للمرء أن يتحمل هذا القدر من الألم وأن يبتكر وسائل نفسية لمواجهته، وهو ما يجعلني أفكر في مقدار الترف الذي أختلقه حين أتململ من بعض العوائق التي أضعها أمامي مبررة كسلي.

هنا الرواية.

Insomnia

 

Insomnia_560x330_MCDINSO_EC012_H.JPG

الأرق، أول سؤال أسأله لنفسي بعد أن ينتهي أي فلم أشاهده، لماذا اخترت هذا الفلم؟ الفترة الماضية كنت أصارع هذا الأرق ثم عدت للتصالح معه والتلذذ به: كتاب، قطعة شوكلاته مرة، فلم، تخطيط، رسم، كتابة، كوب من القهوة، تفكير في فكرة لولبية.

الفلم يطرح أسئلة متتابعة ليس لها بداية ولا نهاية مثل:كيف يمكنك أن تؤثر بمجرد حديث على شخص لا يتذكر ما حدث ولا يتذكر ما قام به؟، كيف يمكنك أن تتلاعب بالحقيقة، فتجعل الناس يصدقون أموراً لم تحدث وأخرى حدثت يؤكدون الأولى وينفون الثانية، كيف لك أن تقنعم أنهم مخطؤون وأن كل مافعلوه كان عمداً؟

من لا يتذكر لا يمكنه أن يثبت، من لا يعرف ما حدث مسبقاً لا يمكنه أن يحكم.

الاحتفاظ بالمعلومة في عقلك سليمة بعيداً عن الآخرين لم يعد أمراً سهلاً، كثيراً ما كنت أفكر بعد أن أتذكر رقماً سرياً أأكتبه أم لا؟ ثم أقول مستحيل أن أنساه، وتمر الأيام ولا أعود لتذكره مرة أخرى.

مثل هذه الأفكار، موجودة في Insomnia، أجمل ما في الأمر أنني شاهدته بالترجمة الإنجليزية وسجلت جميع الكلمات الجديدة، وفهمته بنسبة ٩٠٪،  كنت أجد صعوبة في أفلام الغموض خاصة أن الأفكار وليس مجرد الكلمات تحتاج لترجمة متخصصة.

لماذا لم أعد أشاهد (أغلب) المسلسلات والأفلام الخليجية والعربية؟، لأنني ظننت لوهلة أنها انقرضت! حتى شاهدت وأنا أقلب بحثاً عن ناشيونال جيوغرافيك مشهداً وليتني لم أفعل! إنها كومة من “التخلف” مظهراً وجوهراً تجعلني أعرف لماذا هناك ظلمة ومفسدين في هذا الكون.

صغار قوم كبار آخرين

مرت سنة، هكذا يقول فزاع، كلما بدأت مشروعاً انتظرت نهايته هذا إن بدأته أصلاً، في عقلي أرفف بعضها بها ملفات ضخمة وبعضها مجرد أوراق والآخر لاشيء سوى الغبار وهناك أرفف لها أقفال.

بدأنا قراءتي عبادة وأنا لا أتنبأ له بأي شيء سوى أن يكون عفوياً لأبعد الحدود أن يؤجل اللقاء تلو اللقاء، وأن يكون العدد الأقل في اللقاء الواحد ثلاثة فقط، ألا يعتذر أحد عن شيء، وأن يغيب الشعور بالالتزام.

السبت الماضي كان اللقاء الحادي عشر في مكان عام في مردف سيتي سينتر بجوكليت بار، أدري أنه كان صعباً بدرجة من الدرجات على لقاء بكتب وحديث عن في هذه الصفحة وفي هذا المثال، الصعوبة كانت في نقطتين: الأولى أن هناك أشخاص ممن يشاركون معنا أعرف أن أرجلهم لم تطأ هذه الأماكن أبداً، وآخرون لم يدخولها بنية الاجتماع لقراءة كتاب.

هذا الأمر في نظري مهم جداً، لا أفهم مبررات عدم خروج الناس الطيبين للعالم وتعرفهم على واقعهم وإن كنت أعرفها، ولا أتقبل أن تغير سمتك وفق المكان الذي تكون فيه، ففي مجموعة الأخضر تكون أخضراً جداً وفي الحمراء تكون أحمراً وترفض أن تتبادل مجموعة الأحمر والأخضر أفرادها وأن يتعرفوا على بعض.

وبعدها لن يتغير أحد، والمتغير إمّا أن يخفي عنك، وإما أن يتغير فلا يأتي أبداً إليك.

أحب قراءتي عبادة وأحب من يأتون للقاءاته، الأمر بدأ صغيراً وسيبقى صغيراً كما بدأ فطوبى لكم أيها الصغار.

فيس بوكياً، مغردين.

 

الأشياء الصغيرة

أوحى الله إلى أحد الأنبياء :
أدرك لي لطيف الفطنة وخفي اللطف،
قال: وما لطيف الفطنة، قال: إذا وقعت عليك ذبابة، فاعلم اني أنا أوقعتها فاسألني أن أرفعها عنك،
قال: وما خفي اللطف؟ قال: إذا جاءتك حبة فاعلم أني أنا ذكرتك بها
انتهى .

اغاثة اللهفان من مصائد الشيطان -ابن قيّم الجوزية

الطريق إلى معرض الكتاب

لأنه ما من نعمة ينعم بها الله على الإنسان توازي “الاستمتاع بالقراءة”

تذكرت الأيام الماضية لليد التي مسكت يدي لمعرض الكتاب وعلمتني وجهي علمتني أن به عين ترى وتقرأ، رحلة معرض الكتاب المقدسة التي رباني فيها أبي، كيف أحب الكتاب؟ وكيف أشتري الكتاب؟ ولماذا؟، كيف أحترم الكلمة والكلمة العربية بالذات، وعلمني كيف أتعلم، دون أوامر ولوائح كانت دعوة فعليةً تامة الأركان.

اليوم وكما حدث في سنوات ماضية وبعد 20 عاماً أذهب أنا دون اليد تلك !، في سيارة خالية من البرنامج الإذاعي المعتاد لأي رحلة معه، لاشيء سوى همهمات نفسي، ودروس الفلسفة التي أعدتها 9 مرات تدور في مشغل السيارة.

شيئاً من الحب للكلمة المقروءة، شيئاً من الرغبة في المعرفة، من التحرر من قيود العقل : الجهل أولاً، ولاءً للكتاب، ولأصدقاء المعرفة، سأضع مما علمتني الحياة   :sd:  مجموعة أمور مهمة في الطريق للمعرض : متابعة قراءة الطريق إلى معرض الكتاب