مراجعة: جيوبوليتيك – الجغرافيا والحلم العربي القادم – عندما تتحدث الجغرافيا

جيوبوليتيك - الجغرافيا والحلم العربي القادم - عندما تتحدث الجغرافيا
جيوبوليتيك – الجغرافيا والحلم العربي القادم – عندما تتحدث الجغرافيا by جاسم محمد سلطان

My rating: 4 of 5 stars

يعجبني الدكتور جاسم سلطان، ينطلق كالزورق السريع الذي فاق الباخرة البطيئة، فتحررت أفكاره عنها وفاقتها والتقى عوالم أخرى لم تتمكن الأخيرة من الوصول إليها لعلو الأمواج، فقامت الأولى ترسل رسائل فوقية بالغضب ولكنها الغيرة، الغيرة التي تعميك عن الجميل.

ويحدث ما يحدث في كل جسم كبيرة هناك متمردون صغار يهددون إن لم تحدث تغييرات أن يقفزوا من الباخرة بحثًا عن شاطئ آخر حتى لو كلفهم ذلك حياتهم، والآن هناك زورقٌ صديق مؤمن بأفكار الباخرة متفوقٌ عليها مختلفٌ عنها يملك أسسها فيناقشها وحكايتها وقصصها فيستخدمها ويعرف المساحة الفاصلة بين تنظيرها و واقعها، ولا يخوض فيه كثيرًا، حتى لا يكرر الخطأ الذي من أجله قرر مغادرة الباخرة، يقفز الصغار هناك، أو يلحقوه سباحة، أو يذهبون إلى شواطئ أخرى، وتبقى الباخرة، يولد فيها جدد، يموت قدماء، يخرج في المنتصف أفراد، وتدور الحياة.

قرأت بعض كتبه في سلسلة أدوات القادة لمشروع النهضة، وأظنني كنت وبالاً عليه في بعض الأمور التي أتركها للأيام وأعرف أنه طيب ليغفر أو لا يتذكر أصًلا، ولكن آخر ما قرأت له كان كتاب “جيوبولتيك”، بذكائه اختار الاسم الذي يمكنه أن يبعده كثيرًا عن تصور المضمون ولا يخالفه في الوقت ذاته.

عقل، اقتصاد، دفاع، هذا ما تحتاجه أي دولة كأدوات لتفوز في لعبة السياسية، يبدأ الكتاب بالنظريات المهمة في قسمه الأول، “كلما تطور الإنسان واستقر تتولد الذاكرة المشتركة والتصورات المشتركة عن الذات والآخر وتتمايز المجتمعات في أنماط العيش والقيم، ومع الكتابة أصبحت الذاكرة التاريخية أعمق، وتصلبت الهويات الخاصة. هذا الشعور بالتمايز والاختلاف عزز التمركز حول الذات في مقابل الآخر، ومعه تولدت نزعة القوة، والتحصل عليها لمواجعة تهديد الآخر أو لتهديد الآخر”

الكتابة، حفظ الذاكرة التاريخية، تعزيز الهويات، أظن أن النقطة الثانية نقطة ذات بعدين بين أن ننبش التاريخ لنعرف لماذا وصلنا إلى هنا وبين أن نقبل التاريخ المقدم لنا في حصص التاريخ أو في مقتطفات الأيام الوطنية لنصنع منها صورة صغيرة كانت أو كبيرة، وأي تاريخ هو الذي ينبغي أن نحفظه في هذه الذاكرة، ونبني عليه من جديد، وكيف نستخدم هذا التاريخ لرسم الصورة، تاريخ القرصنة أم لحظات الصلح؟ التعاون مع المستعمر أم النضال ضد القتلة؟.

جمال الفصل الثاني يبدأ بتحليل المنطقة العربية وتخيل المشروع العربي الجيوبوليتيكي فيها الذي لا يكون إلا بالشعور الجمعي بالهوية، والعلاقة الصحيحة بالعلم، وسلامة النظم وكفاءتها، ثم يسرد التحديات المواجهة للمشروع، وهو سرد على حياديته وموضوعيته مؤلم حد الاختناق خصوصًا حين يصل لتحدي القضية الفلسطينية رابطًا إياها بالمشروع كفكرة وجود وقوة ونفوذ أكثر منها قطعة أرض محتلة من الوطن العربي.

ينهي الفصل بأمل الفرص، في المنطقة التي كاد أن يمحوها سواد الفصل في بدايته، فالوطن العربي لازال مجموعة دول له علاقاته الجيدة مع من حوله، والأدوات المبدئية الكافية، إن وجدت الإرادة، ثم ينهي الكتاب بأمل حذر في الثورات التي صدر بعدها، ” الثورات ليست هي المستقبل ولكنها لحظة افتكاك لفرصة جديدة قابلة للاستثمار أو التفريط وجوهرها هو سلوك الثوار تجاه مجتمعاتهم ووعيهم وحكمتهم”

لم يذكر الكتاب تفاصيل الخلافات أو المقارنات أو كلمة ولكن ولو، بل بهدوء ارتفع في نظرة وصفية تحليلية لما يحدث على هذا الكوكب وعولمته ونقلها لنا بشكل مرتب، سطحي دون عمق ليوصل لك ما تحتاج من مفاتيح تأخذك بعدها لمجهودك الشخصي الذي تبحث من خلاله عن ضالتك.

أعجبني الكتاب فيما قد يكره الآخرون المعقدون المحبون للفلسفة المتداخلة، هذا التنظيم العشوائي الذي يتوافق معه عقلي، الأشبه بكتاب الجغرافيا الذي يتسامى عليه أعداء مناهج المدرسة لأنه يذكرهم به لا أكثر، وماذا أيضًا؟ نعم الهوس بالمراجع! لن تجد مرجعًا واحدًا في هذا الكتاب فليس معقولًا أن يوثق المرء كل جسر عبرت منه فكرة أخرجها في هيئة جملة.

جيوبوليتك يستحق القراءة والفصل الثاني منه بشكل خاص.

View all my reviews

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *