ماما فاطمة

 mamafatima

أحك يدي اليمنى بإفراط هذه الأيام كما كنت أفعل في فترة من فترات كل سنة وأنتظر إمطار الرزق كما تعلمت من استراقي لأحاديث جدتي وأنا أختبئ في غرفتها التي تعج بكل شيء، وكانت أكثر ما تعج بالضيوف!

جدتي هذه الآن تقاسي المرض، وحين كنت أراها وأقلب النظر في أبنائها (الذين هم أعمامي D:)  يحمل أغلبهم صفات القيادة بالفطرة أعرف أنها أحد المصادر إن لم تكن المصدر الرئيس، جدتي تحدد كم “جيلة عيش” يجب أن يطهى اليوم في منزل يضم أسرة ممتدة في زمن الأسر النووية.

جدتي خبيرة في العلاقات البشرية بشكل لم تدرسه!، تحدث الناس على مستوياتهم ولغتهم، وتخاطبهم جسدياً بعينيها وفمها والتفاتاتها، انتبهت لذلك وصرت أفرق بين الناس من تفريقها لحديثهم معها، فحين تأتي تلك القريبة المحببة لها تخلع برقعها وتبادلها الابتسامات والضحكات ولا تستخدم أية كلمات رسمية وتسأل عن زوجها وأبنائها بأسمائهم وربما أعطتها بعض الحلوى من صحن الفوالة دون تكلف، وتتفنن في انتقاء الكلمات البدوية لأي طارقة تأتي من هناك تسمعها بعض أبيات الشعر كما تردد علينا أبياتها المفضلة: تواضع تكن كالنجم لاح لناظر على صفحات الماء وهو رفيع .. ولا تكن كالدخان يعلو بنفسه إلى طبقات الجو وهو وضيع..، وحين نجتمع كلنا في غرفتها تقص علينا قصصاً نحبها جداً، أو تشدو علينا قبل نومنا كل باسمه “نامي يا آلاكو نومة هنية نومة الغزلان في البرية”

غرفة جدتي قاعة متعددة الأغراض بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، هي غرفة نومها، ومكان اجتماعات أفراد العائلة، واستقبال ضيوفها المقربين، وطعامهم، ومكان إقامتهم، ومركز تجمعنا لمتابعة مسلسل أجمع جميع أفراد العائلة عليه حين يتعطل تلفاز غرفه المعيشة، كانت لا تتجاوز خمسة أمتار في خمسة ولكنها كانت لنا الكثير وكانت لجدتي العالم كله.

جدتي صديقة والدي المقربة ويكاد يكون أحب أبنائها إليها مما انعكس ذلك علينا أحفاد هذا الابن، حين تجتمع الأموال في يدها تقسمها علينا كلٌ حسب صفه، وحين يلعب أبي معنا عصراً في غرفة المعيشة بالكرة فنقذفها لتكسر أحد المصابيح يسارع أبي بالاختباء معنا خلف أحد الكنبات أو الجلوس بهدوء وكأننا لم نفعل شيئاً حينها نسمع مزلاج باب غرفتها قد انفتح وهي تنادي:”منو مسوي حشرة، ما تخلون الواحد يرقد! ويه محمد وانتا بعد وياهم!” نضحك جميعاً وندرك ذلك الطفل الصغير في قلب أبي والذي لم يكبر أبداً في عين جدتي.

لها هيبة تجبرنا على تخبئة اللبن المثلج في فريزر اللحم والتسلل بخفية لأخذه ليلاً كي لا تشعر بنا ونافذة غرفتها مطلة على ممر “البخار” أو ” الستور” “أو المخزن، وتلحقنا حين كنا نضع في جيوب ثيابنا الطماطم الأحمر وتوبخنا حين كنا نأخذ الملاحات من المطبخ لنسكب الملح على الطماطم ولا نعيدها.

جدتي قلب البيت حين تسافر لألمانيا للعلاج يختل توازنه، ولا يعود هناك انضباط حقيقي فيه، فتجد المساعدات يستيقظن متأخراً، ولربما طلبنا من المطعم الذي تكرهه، نفرح لغياب الانضباط بادئ الأمر ثم نشتاق لها وحين تعود يمتلئ المنزل بالورود وبمن يحبها نكون قد حفظنا أي نشيد جديد عن الجدة ونلبس أجمل ثيابنا تقودنا أختي الكبرى في مسرحية عن الجدة ثم نعطيها الهدايا فتبكي بكاء مريراً بعد أن كانت تصفق على أنغامنا.

حين كبرت تأتي لتطمئن عن حالي دائماً، ولطالما كانت تأتي معي لحفلات تخرجي منذ كنت في الابتدائية حين تذهب أمي لعملها في المدرسة فتخترق صفوف أولياء الأمر وتتجاوز صديقاتي في العرض المسرحي البسيط لتقبلني على وجنتي وأرى حينها أنني أميرة المدرسة أوشيئاً من هذا القبيل :)، وبعدها كانت تأتي لحفلات تخرجي أو استلامي لجائزة ما، وتظل تسرد جميع ما رأت معي في الحفل في المنزل وأنا أسمعها بفخر.

حين أسهر توبخني فأقول لها أن لدي امتحاناً فيتحول التوبيخ إلى دعاء، وتطمئن إن أكلنا أو لم نأكل، كانت أمي تطلب مني وأختي أحياناً أن نعطيها الدواء أو الحقنة في وقت ما إن تغيبت لكنني كنت أرمي هذه المهمة على أختي تكاسلاً مني أحياناً وألماً في أحيان أخرى جدتي كانت تغسل يدنا بعد أن تطعمنا وها نحن نضع لها الدواء بعد كل هذه السنين!

لجدتي وجه كالبدر عليه حمرةٌ دون مساحيق، ويدٌ أظافرها لا تفارقها الحناء الطبيعية، وثيابٌ حريرية أغلبها باللون البنفسجي الذي تحبه عليها زري ذهبي وفضي، جدتي جميلة وحازمة وقوية وحنونة وطيبة، متخصصة في الإدارة، لو كان لديها شركة لكانت من أكبر الشركات في العالم، لا أتذكر أبداً أننا ناديناها يوماً بغير “ماما فاطمة”.

اشتقت لماما فاطمة أتعبها المرض ولم تعد كما كانت وأحمد الله أنني عشت زمناً وأنا صغيرة في حضنها وأنا كبيرة في تقبيل رأسها، وأتمنى أن تصبح بخير تبقى معنا ولا تفارقنا أبداً، حتى يخرج أبي من خلوته في سجنه وتقر عينها قريباً بإذن الله.

6 thoughts on “ماما فاطمة”

  1. شفاها الله وعافاها يا آلاء
    وفرج الله عن الوالد وصحبه

    أجمل الذكريات ما ضمتنا مع
    أجدادنا وجداتنا رحم الله من رحل
    وأطال في عمر من بقي ..

  2. ياه ، ما أجمل تلك الذكريات ، خاصة وأنا جدتي من أبي اسمها فاطمة أيضا،
    دائما ما كانت تدافع عني،وكنت ألزم على أبي أن يصطحبني إلى بيت عمي حيث تقيم كي أراها
    مرة تعاركت مع أخي فتركت البيت لساعات
    قامت الدنيا ولم تقعد ، وقامت تبحث عني في الفريج !
    هذا الموقف لن أنساه منها طوال حياتي ، وهناك مواقف مع أشقائي وشقيقاتي أيضًا.

    الله يرحمج يا يدتي ، نظرات عينج لي ما أنساها أبدًا .

    شكرًا أخت آلاء . وحفظ الله جدتكم لتقر عنيها وأعينكم بوالدكم الحبيب .

  3. اللهم اشفها وعافها و ارزقها بر ذريتها و ذريتهم واقر عينها بعودة كل غائب
    بخير

  4. هنيئا ً لكما ببعضكما…
    شفاها الله و دفع عنها كل ما يُحزنها و يُحزن أحبابها ..
    و أرجو عودة قريبة لأكثر أبناءها حبا ً .. إلى حضنها و أحضانكم ..

  5. اسأل الله العظیم رب العرش العظیم أن یشفی عمتنا ام احمد نور
    ابکیتینی یا اخت آلاء عندما ذکرتینی بها لانی لن انساها عندما تاتی عندنا فی نخل جمال و نذهب لکی نحیها لقدومها عندنا و کلامها الجمیل الذی دوما مصحوبا بالدعا لنا اتمنی ان یشفیها الله و تاتی لزیارتنا مرة اخری لأنها کانت تحبنا و دوما تسال عنا
    اسال الله ان یشفیها و تقر اعینکم بها و بعودت والدکم الیها و الیکم و لنا
    و فی الاخیر اوصلی سلامنا لها و للشیخ محمد حفظکم الله جمیعا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *