تجربتي مع اليد المكروهة

كنت أتأملها أحيانًا قبل النوم، أخشى أن تظهر في الصور وأحب تجربة الخواتم لأرى إن كانت ستحسن من شكلها البشع، من النادر أن أتحدث في سري عن شيء من جسدي بهذا الشكل عوضًا عن أن أجاهر به، احترامًا للخالق ولجينات أجدادي حتى لا يتململوا من تفاهة الحفيدة العاشرة في قبورهم، حين كنت طفلة كانت الرمال تتجمع أسفل أظافري، وفي سقطات مختلفة الأسباب ربما رفسة من ابن عمي ونحن نلعب الكرة أدت إلى تسلخاتها، عوضًا عن النمش الذي اقترفته شمس منطقة النخيلات التي لا ترحم، هذا أسوأ ما يمكن أن تكون عليه، إلى أن كَبرت وتخليت عن ضفيرة شعري، لألفه بمقبض أو مقبضين على شكل كعكة تتوارى خلف الحجاب، لكن ماذا عن يدي؟

كانت يدي شيئاً عاديًا جدًا حتى اللحظة التي قال لي قريب بعيد: يدك كبيرة جدًا ليست لفتاة، استمعت لمقولته بل أصغيت إليها ومنذها، لم تستحل حياتي إلى جحيم لا يمكنني ادعاء كوني ضحية، لكنها لم تعد كما كانت، ربما قال أحدهم تعليقًا قبل ذلك عليها لم ألتفت له، أما في منزلنا فلم يصلني شيء منها، تلك المقولة كانت هادئة وجادة كأنها تخبرني بحقيقتي التي خبئها كثيرون عني منذ مولدي، الإبهام الذي لا يتناسق مع بقية الكف والخنصر الذي يبدو مقطوعًا ثم المساحة غير الموجودة للرسغ، بعدها أستمعت كثيرًا لعبارات مشابهة ليست لي فقط وغير متعلقة بمظهري أنا فحسب، ولكن تقال لي ولمن حولي بالنبرة نفسها:

  • يدك ليست لفتاة.
  • يدك غير مناسبة لجسدك كأنها لشخص آخر وركبت عليك.
  • انظري إلى ملامحك كم هي جميلة، تعرفين لو كانت بشرتك أفتح ستكونين أجمل أخواتك.
  • لا تشتري هذا اللون سيغمقك.
  • بالرغم من أن عينيك صغيرتان لكن بهما لمعة جميلة.
  • النقاب جميل عليك، يغطي أنفك.
  • لفة الحجاب تعدل شكل وجهك الدائري.
  • الفتاة يعرف جمالها من رقة يدها.
  • أذنك بهذا الشكل وتريدين ثقبًا ثانيًا؟
  • تعرفين أن الصينيين يحبون القدم الصغيرة؟
  • غطي رسغك لو كانت يدك جميلة يمكنك إظهارها.
  • تحتاجين أن تتعلمي الكنتور لتجعلي حجم أنفك أصغر.
  • النمش جميل لكن يمكن إخفاؤه بكريم الأساس.
  • الحواجب المقرونة كانت علامة جمال، كانت!

تلك جمل أسمعها أحيانًا تلقى على آذان من حولي في بيئة ملتزمة متوقع منها ألا تهتم بالمظهر ولكنها بيئة بشرية في النهاية، وأجلس بتأمل أراقب تلك التي سَمعتها، وغالبًا لا ترد، تنمو هذه الجملة في القلب، ينكرها تتسرب من الشرايين إلى العقل يصدقها، ثم يبدأ برؤية الأشياء بمنظورها حتى تغدو وجهة النظر حقيقة مطلقة، حقيقة كتلك التي خرجت من فمي حين تقدم لي أحدهم وأخبرت أختي بأنني سأرفض، وظنته غروري المستعار أو استعلائي الدائم، وسخافاتي المتحذلقة، لكنني قلت لها، أظن أن يدي أكبر من يده، لم تكن تملك سوى أن تنظر لي ببلاهة ثم تنفجر ضاحكة بسخرية: لابد أنك جننت!، تريدين أن أشفق عليك وأقول لك بأنك أجمل الجميلات؟ هل أنت جادة؟، أولاً هذا الأمر ليسَ صحيحًا، ثانيًا حتى لو كان كيف يؤثر فيك أنت هذا الأمر! ألا ترددين الحب لا يعرف شكلًا ولونًا وطولًا؟

للبشر تفضيلات وانتقاءات لا تتشابه، لكن تبدأ الدوامة حين يصبح تفضيل الأغلبية هو الدرس المقدم للإنسان من صغره فيتقمصه ويؤمن به ويصبح من الأغلبية التي تعيد العجلة، ويرى فيما رأوه مطلق الجمال وبعد أن يكتشف متفردًا أن ما أحبه الآخرون ليس ما أحبه هو يكون الوقت قد تأخر. قد ألقي تلك الجمل أحيانًا، وأعرف أن ليس كل من يلقيها يريد أن يسحق شيئًا بداخل الآخر، لا يمكنه التعديل منه ولا التخلص، ربما يريده أن يتعلم  الأناقة والتنسيق والتجمل، لكن كيف بتلك التعليقات التي تنال أشياء أصلية كيف لي أن أغير شيئًا أصليًا إلا لو كنت سأخفيه تمامًا أعتبره غير موجود، أرفضه مني، وحين أرفض الجزء فماذا عن الكل؟ قد تكونون أنتم بأنفسكم رسمتم تصورًا عن هذه اليد، في مواقع الاعترافات الأجنبية وتلك التي تتضمن أسئلة طبية وجدت الكثير ممن يشكو من أشياء كتلك ويسأل عن حل صحي لها، الأمر أوسع من إطاري ومن إطار من حولي هو العالم كله.

كلنا يعلم مقدار الجَمال الذي وهبه الله إياه وبأنه باهتمام بسيط وبحث سطحي سيبدو مرتبًا والشيء المميز فيه سيكون طاغيًا عوضًا عن الشعور الداخلي بالثقة، وعن نظرته الجميلة لنفسه التي ستجعل كل شيء جميلًا، قد يعود كثيرون لصور بها يدي، وقد يقولون لي بالغتي! وقد يسارعون إلى رؤيتها في أقرب لقاء، لكن هذه المبالغة كانت من جملة بدت حقيقية جدًا في وقت كنت أخطو فيه خطواتي الأولى لعالم الفتيات وأشكل الصورة الذهنية عني، عبارة قد لا تعنيني الآن أبدًا، لكنني لو سمعتها تقال لمن كانت في مثل عمري الآن سأمسك يدها كما أمسكت يدي صديقة تكبرني في الجامعة وقالت لي هذه يد فنان، أصابع خلقت لتكتب وترسم وتعزف، وتعلم الجمال، من بعدها عادت يدي كما أراها الآن.

2 thoughts on “تجربتي مع اليد المكروهة”

  1. يالله ما اجمل سلاسة الحرف و اللغه البسيطه الحالمه من الظلم ان لا يكون لك كتاب سيدتي ليس ظلم لك بل لما خلقتي من اجله انصف الاله و استجيبي

  2. ماشاء الله ،تبارك الله ،عجزت ان اقف عن القراءة،
    عبارات متسلسلة كل عبارة تشوق لما بعدها،والفكرة رائعة جدا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *