بأبي أنتِ وأمي يا صلاة التراويح

منذ أربع سنوات كتبت هذه الكلمات ، لابتسم اليوم وأنا أراها في رسائل بريدي الرمضانية ، أربع فرص مرت ، ولا أدري أيهم ستكون الأخيرة ، أربع والمشاعر هي . . هي !



جلوساً نشرب الشاي بالزعفران .. بعد إفطارٍ جميل .. ثم ينطلق الأذان .. تسمع انهماراً من حنفياتِ المياه .. الكل يتوضأ والصبية الصغار يبحثون عن طاقياتهم .. والصبايا يحاولون عبثاً إغلاق دبوس الحجاب .. الذي بدا له نصف أطول من الثاني  ثم نركب السيارة .. تهتز بنا في طريقها إلى مسجد الحي الذي بجانبنا .. الأرواح مبتسمةٌ كأنها ذاهبةٌ لتقدم شيئاً عظيماً .. وتحصدَ آخرَ أعظم .. والجسد يصدق .


على درَجِ المسجد .. أحذيةُ هنا وهناك .. جميع الأنواع .. ترى الشيوخ بأرواحهم البيضاء يحملون أحذيتهم بحذر .. يختارون مكاناً مناسباً آمناً .. في نظرهم .. إما من الضياع أو الأيدي المتخطفةِ ليضعوها فيه .. نعبر بوابة المسجد .. زمرةٌ قائمةٌ تصلّي التحية .. وزمرة تتمايل مع المصاحف .. وزمرةٌ من صغار السن تحلّقوا وقوفاً أمام برادة المياه .. يبحثون في شأنها بعد أن عطّلوها ..
وأقف ..


بجانبي أحد يستاك .. تكبيرةٌ الإحرام للتحية .. وتعود أنسام السعادة التي تزورني بعض الحين ..كأنكَ في روضةِ المسجد النبوي .. ترى هل كانت هكذا ؟.. لابد أنها أجمل حيث لا زرابي .. لكنها الحصباء , وحيث الجذع لا المنبر العالي .. ربما.. ربما هبت علي تلك الأنسام إحساساً مني بتشابه الفضاء .. نفس الهواء ! وأفرغ من تحية المسجد .. أرى عن يميني شيخ القرآن .. ابتسامةٌ تليها مصافحةٌ من نور .. ويليني أخي الأصغر يسلم على استحياء .. ويمسح الشيخ على راسه يوماً ويرفع ذقنَه أخرى .. وهو ممسك بثيابي وشبه مستندٍ عليّ ..


ثم يقيم الإمام الصلاة .. وترى الجميع يهب .. كأنه تصوير مُبطأ .. يصطفون بترتيب لا يحسن مجاراته قائد كتيبة.. ولا يقوى على مثله معلم التربية الرياضية .. عن يميني شيخي .. وعن شمالي عاملُ نظافة المسجد .. وأمامي جارنا .. وهناك في الخلف طالب جامعيٌ سودانيٌ .. يأتي لهذا المسجد بُغيةَ الخشوع .. خلف إمامنا ..

ويعلنها :
الله أكبر
فيهبط الصمت .. وتصطف القلوب .. ياللعجب ..!
أرأيت ذلك التباين ..: الوظيفي ., العرقي , المستوى المالي , اللون .. والشكل .. والــ !!؟؟
كم أنت عظيم يا ديني الكل سواءٌ أمام الله .. لا صغير لا كبير , لا عظيم لا حقير .. لا غنيٌ ولا حتى فقير .. أحسست بالعزة .. تملؤني حتى آخر شريان … لا تتعبوا انفسكم .. فهيهات أن تعثروا على مذيب يذيب الفوارق .. كديني الذي أملك ..

ومحاولات خشوع شتى .. تسرقني منها دعَاوى دنيوية .. أو تأملات في مثلثاتٍ زَينت سجادة المسجد .. ومدى تناسق ألوانها .., وتستمع للتلاوة , عذبة رقيقة تنساب من أذنكَ إلى قلبك .. كالعسل ..وتحاول جاهداً أن تعصر مقلتيك لتنزل شيئاً –ولو يسيراً- ولكن كيف .. والقلوب صلّبها البحث عن لقمة الجسد .. فاُتعبت الروح ..

ثم تأتي آيةُ .. قرأتَها مئة مرة .. وسمعتَها مئةً أخرى .. لكن .. كأنها ذلك المفتاح الذي فُتح به قلبٌ موصد .. فيبكي ..لتنهمر من العين الجداول .. وتود لو أن يعيد الإمامُ الآية .. فيفعل .. ليفيض ماء العين .. ثم تركع تحس بأن رجلك لا تقوى على حملك .. ويسلّم الإمام ..

يراني أخي الصغير بوجل .. يرقبني بعينيه .. كأنها فيها كلمةُ “بكى ” .. لكنه لا يقول شيئاً حتى تنفرج شفتاه : ” كم ركعةً بقيت ؟ ” .. فأبسُم .. عجباً لهم صغار السن .. – وإن كنا سايقاً منهم – يأتون للمسجد وهم فرحون ويكملون الصلاة وهم متعبون ..  … أَسمع توبيخاً من جارنا .. لأحد المصلين بعد أن زعق هاتفه أثناء الصلاة .. بأغنية لا تليق بمقامه .. فسحبه في خجلٍ وأغلقه .. وينظر إليّ الجارَ بعد ان يهدأ .. فأبتسم ابتسامةَ بها شيءٌ من العتب ..  وتنتهي ثمان ركعات .. ثم ركعتان .. وتأتي الركعة التي ينتظرها الجميع ..كالجائزة ..


” ركعة من الوتر يرحمكم الله “


ويستعد الجميع .. يفرِغون ما في قلوبهم .. حتى ما إذا أمّنوا وصلت إلى السماء السابعة .. الفاتحة ثم الصمد .. الركوع ثم القيام منه .. وتُرفع الأيادي ..


يا إلهي .. كم نحن ضعفاء .. يا إلهي الجميع .. حفاةٌ .. لا فرق الكل يلتجىء .. الرئيس والمرؤوس ..ويبدأ التضرع .. القوي واحد .. والكل ضعيف.. كبار السن هم أول من يبكي ..وصغاره يراقبون الجميع .. وأنا وأنت وهم نضل رافعي الأيدي .. ” اللهم اهدِ شبابنا وشباب المسلمين ” فتخرج الآمين .. حرّى .. لا كالتي سلفتها .. حتى يقول .. ” اللهم انصر إخواننا المجاهدين في كل مكان..”


فيلتصق الحاجبان.. وتضيق على المقل الأجفان .. وكأنما تقبض على قفصك الصدري .. تستجدي .. صدق الدعاء الذي لا نملك لهم سواه .. ليستجاب .. ثم .. ما أن يلقيها  ..” تحت الجنادلِ والتراب ” حتى تهبط الأذرع .. وتبدأ الدموع بالهطول بصمت.. تخشى أن يراها أحد .. تمسحها سريعاً .. لكن حين .. يعصِف ..” من ضيق اللحود .. ومراتع الدود ” .. فتسري فالجسد قشعريرة .. ويبدأ النحيب الذي لا ينتهي .. دمعة تليها أخرى .. ودمعة .. تليها دمعة .. شهيق .. وآمينٌ مضطربة .. تكاد تخرج .. ثم دمعة يتخللها فرح ” إلى جنّاتك جنات الخلود ” .. حتى .. يختم الإمام .. ” وصلي اللهُم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلِم ..”
فكأنما تحررت الأرجل من قيود .. ثِقَلُها كالجبال .. ألصقتها بالأرض.. وتسرح الأرواح .. علُوٌ .. وسجود أصدق ما يشبه به .. أنه على سحاب ! ولا صوت .. سكون تام .. إلى السلام .


أخرج محرمةً من جيبي .. وأمسح بها وجهي بسرعة .. يراني أخي الصغير مرة أخرى .. كأنه لا يراني .. كلهم يفعل هكذا .. أصافح أهل الحي .. الجميعُ أصبحوا مصابيحاً تشع بالنور .. حتى أَستقبل الباب .. فتستقبلني بدورها المفرقعات النارية التي يلهو بها الصبية .. وأرى الجار يلحقهم بعصاته الغليظة .. ! فأضحك ويضحكُ أخي الصغير معي ..

ترى .. هل عرف الروعة .. من لم يعرف صلاة التراويح ؟

Join the Conversation

11 Comments

  1. اذكر أني قرأت هذه الكلمات من قبل ،،
    بورك هذا القلم يا آلاء ، فلقد عشنا مع هذه الكلمات روعة هذه الصلاة ، وتجددت فينا حلاوة الإيمان ،
    ولا تكتفي بما كتبت قبل أربع سنوات ، فأربع خلين لابد وأنها نقشت على صفحات النفس خطاً جديدا ،يساوي من سبقه في الاتجاه ويفوقه في المقدار

    إلى الأمام

  2. لله درك يا آآلاء ..
    عشنا مع هذه الخاطرة تفاصيل روحية طاهرة ..

    مبرووك عليج الشهر

  3. لحظات إيمانية تسمو بالنفوس والقلوب تلكـ التي نجدها ونتذوقها في شهرنـا الفضيلـ
    روحانيات تحلق بنا عاليــا وبعيدا جـدا عن دنيانا الدنيه

    فطوبى للمؤمنين به

  4. بصـدق .. استلهمت في قلمـك إنساناً آخـر يتكلم .. يصـف شعوراً وإحساساً من الصعب التعبير عنـه .
    أرواحاً تتلاقـى ونقـاء يتصافى وألوان تتكاتف وإيمانيات تتجلـى في نفـوس عباد الرحمـن ..

    كلمـات وبلاغـة راقيـة ورائـدة .. أتمنـى أن لا يقف قلمـك عن التحدث .. فهـو قـادر على الوصف والروايـة بشكـل منطقي جمالي لغوي ممتـاز ..

    دمتي بحفظ المولـى ورعايته / القلم المبدع

  5. أتعرفين شعور “الحقبة” ؟
    هذا المقال أعادني لحقبة فريدة جداً..
    في كل حرف أتذكر أجواء ومشاعر وذكريات ..
    الثانوية – أخوكِ الصغير عبود – أول افطار رمضاني لي في بيتكم – السمبوسة وصورة الدرهم المهتزة – الفيديو كليب القصير وال”خبل” الذي صورناه امام العمود في صالتكم – بشريلك كلاشن- النقاب

    ايييه يا آلاء !

  6. مر كطيف ساحر ..

    وبقينا بعده .. نحاول أغماض أعيننا ..

    علنا نحتفظ بشيء منه .. داخلنا ..

    أحلامنا .. رمضان آخر ..

    يارب

  7. لا أعتقد ربما إذا كانت صلاة التهجد في المسجد الحرام.. أجواء نحن إليها ونطير شوقا كل عام من كان يدري قبل أربع سنوات كيف كنا وما صرنا إليه الآن.. هل كنت تتخيلين أنك ستنشرين ما كتبت قبل اربع سنوات سبحان الله..

  8. يَاه ألآء ..

    تروايح رمضان ..
    وروحانية رمضان ..
    والروح الشفافة التي تتسع فينا كُل يوم أكثر ..

    ونهرٌ من بياض يغسلنا كل صلاة :”

    وصفك أذهلني ..

    : )

  9. تصدقين؟
    عندما قرأت خاطرتك هذه قبل سنوات في أثباج أذهلتني جدا..
    روحانية رائعة وصفاء عجيب..
    قبل أيام تذكرتها ، وتحسرت عليها وعلى أشياء رائعة ذهبت مع الريح في أثباج..
    في ذلك الحين طرأت علي فكرة أن تطبع كمطوية وتوزع..ومازلت أتمنى ذلك.. ربما أفعلها يوم لو أذنت

  10. كنت أتابع قناة الحوار , وكان الحوار حول المدونات ,,, ضيوف الحلقة ,, أحمد منصور و آلاء
    نعم الضيوف ونعم الحوار

    أما ماخطته يمينك , , , فلله درك

    خطوة بخطوة , , دقة بدقة , , وكأنك قد وضعت ى [كمرة مراقبة على كتفي ]و[ مايكرفون
    داخلي ] ,,

    أسأل الله أن يفتح عليك أبواب علمه

    1. أخي ليبي . .نعم المشاهد والقارئ إذاً أنت . .
      شكراً لتواجدك هنا . .

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *