المعطف

1365

الصورة لسماء في 1\1\2014

1

2014، كنت أنتظر بداية جديدة لأعود لهذا المكان وألتزم بالكتابة اليومية، كانت تراودني أفكار انتظار النضج، وعدم الرغبة في الحديث، والعزوف عن الكتابة للخارج من أجل الداخل، لكن اكتشفت أن بعض تلك الأفكارمصنفة بشكل رئيسي تحت عنوان الكسل والبعض الآخر تحت الادعاء، والادعاء هذا لوحده يمكن أن يتكاثر انشطارياً.

مع هذه السنة بدأت أفكر أين كنت السنة الماضية في مثل هذا الوقت؟ كنت في دولة أخرى جميلة، أجلس في بهو الفندق الهادئ، كانت رائحة الليمون الحاد من الفواحة في الاستقبال تنعش قلبي، وأمامي دفتر الرسم وعلبة الألوان الخشبية، وبدأت أرسم الأشياء التي أود أن يرزقني الله إيها خلال ال356 أيام القادمة، تذكرت اليوم أنني لا أزال أحتفظ بدفتر الرسم ذلك ركضت إليه وقبل أن أفتحه حاولت أن أتذكر ما رسمت لأنني خفت أن أصاب بخيبة أمل من نفسي، لم أتذكر شيئًا سوى أنني فتاة صديقة للحظ وكل الأقدار الطيبة تنساق لي وكل الأقدار السيئة تبتعد عني قبل أن أدرك أنها كذلك، فتحت الدفتر بهدوء وبدأت أطالع تلك الرسومات المضحكة، فإذا كل ما تمنيته تحقق!، أحسست بالامتنان و بالحزن على لحظة الشك الصغيرة، ووثقت بالله بأنه سيعطيني هذه السنة أكثر مما أظن.

السنة الماضية سافرت لأماكن جميلة، وتعرفت على أشخاص رائعين، وحققت إنجازات على المستوى العملي والعلمي، كل ذلك برفقة الإنسان الهدية الذي يزعجني كثيراً بطيبته اللامتناهية وجنونه غير المحدود وصداقته المؤبدة، هذا ما أتذكره بشكل عام ويبقى الجمال الحقيقي مودعًا في تفاصيل لا يمكن كتابتها، لكن إحساسي الأبدي يخبرني أن السنة القادمة مليئة جدًا لدرجة أنها ستفوق ما قبلها من السنوات، سأبقى هنا أحاول الكتابة اليومية عن كل شيء هناك تجارب كثيرة لهذا النوع من التدوين الإلزامي سأحاول أن أكون أحدها.

المعطف؛ هذه القصة الصغيرة التي قرأتها وأنا في انتظار إنهاء معاملة ما مع مؤسسة حكومية ثم أكملت القراءة في السيارة حتى انهيتها متناسية وصية والدي بتجنب قراءة أي شيء ثابت في أي مكان يتحرك لفترة ليست بالقصيرة حتى لا أصاب بالغثيان، ولكن (إلي ما يسمع رمسة أمه!) وأصبت به ، لا أدري من السيارة أم من القصة أم أن كليهما تجمعا علي.

أحببت الأدب الروسي بعد أن دلني عليه شخص عزيز علي قبل ست سنوات ولا أدري أكان الحب عائدًا لجمال هذا الأدب أم لمكانة ذلك الشخص، وفي الحديث عن الأدب الروسي فهو أدب مليء بالأجواء الباردة التي تمر علينا الآن والتي لو سمعوا وصفنا لها لماتوا من شدة الضحك والبكاء في آن، المعطف قصة قصيرة لا تتجاوز ال23 صفحة كما قرأتها إلكترونيًا، كتبها غوغول عام 1842 وهي آخر ما كتبه وكانت انعطافًا في الأدب ذلك الوقت، حتي يقال أن الأدب الروسي في القرن التاسع عشر خرج من تحت معطف غوغول.

هذه الفقرة قد تحرق عليك القصة أو قد لا تفعل فالمتعة تكمن في قراءة التفاصيل، فإن كنت جازمًا على قراءة المعطف فتجاوزها وإن كنت تظن أنك قد تفعل فإن بعض الظن استعذ بالله وتابع القراءة، القصة تحكي أحداث رجل من الطبقة العاملة في روسيا في الفترة التي كان يحكمها النظام الشيوعي الذي قلص الرغبات والطموحات عند أفراد شعبه، وقسّمه لطبقات رغمًا عنه، عن النظام وليس عن الفرد فيه، لأن الفرد مهما كان حجم الظرف الواقع حوله فإن بإمكانه تغييره، يعمل هذا الرجل في الطباعة وبعد أن يدرك أن معطفه لم يعد صالحًا للاستخدام ولا يمكن إصلاحه، يقرر أنه لابد عليه خياطة معطف جديد فيصبح شغله الشاغل، ويحلم به، حتى ينجَز ويرى فيه خلاصة ما تمنى ويدعى بموجبه لحفل في حي فخم ولطبقة راقية، ثم يسرق منه فيشكو الأمر للجنرال الذي لم يبال به حتى يموت كمدًا على معطفه، لا تنتهي القصة هنا يبدأ شبح هذا العامل بالظهور لكثيرين أولهم الجنرال الذي لم يساعده، حتى يصبح أسطورةً.

للقصة أبعاد كثيرة جدًا، وقوتها تكمن في بساطتها، وطبيعة سرد الأحداث، أكثر من الإضافات والمحسنات الأدبية المبتكرة، أنصحكم بقراءة المعطف، المعطف الذي أصبح عندي شبحًا فكلما أحسست بالبرد قررت أن أشتري واحدًا وحين يأتي الاختيار أتردد خوفًا من أن لا أستطيع خلعه بسهولة متى شعرت بالحر، وفي الوقت نفسه لا أريد أن أخلعه تمامًا حتى لا أشعر بالبرد، هي قصة طويلة انتهت بشراء الشال الذي اعترضت عليه كونه للعجائز ثم عدلت عن الفكرة حين أخبرني زوجي أنه للأميرات، كما تأكدت بأن هناك طبائع للنساء لا يغيرها الزمن، والغواني يغرهن الثناء.

المعطف عندنا قليل الاستخدام لاعتدال الطقس في أغلب الفصول إن وجدت، وهذه القلة تجعله أثيرًا ومرفقًا بذكرى جميلة، وهو في قصائد لنزار، وكريم العراقي على ركاكتها تحمل بعدًا زمنيًا آخر، أحببته قصةً وقصيدةً وحقيقة وذكرى.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *