تجربتي مع حمية دوكان

(تجربة شخصية جدًا طويلة قليلًا)

“لم تكن الأرض جرحًا كانت جسدًا
كيف يمكن السفر بين الجرح والجسد
كيف تمكن الإقامة؟”
أدونيس

حين غادرت مكان ولادتي في 2012 انتبهت لجسدي، لم يكن سيئًا هكذا أعزي نفسي، لكنني قررت أن أصب كل هذه الثورة المشتعلة في قلبي لأنهكَه، أو أكتب له حياة أخرى تشفي جروحه التي لم أعرف لها موضعًا واحدًا.

كتبت عن المرة الأولى التي اتبعت فيها هذه الحمية الغذائية بعد بحث كثير هنا http://alaa-skies.com/?cat=266 ، أردت شيئًا بدون دهون بدون سكر بدون خبز، لا يفقدني عضلاتي التي تعبت في بنائها، وقع الاختيار على حمية دوكان حمية الأميرة كيتي، دوكان هذا دكتور فرنسي ولد في الجزائر يتحدث الإنجليزية بلكنة فرنسية، اشتهر عام 2000 بعد أن انتشر نظامه باللغة الإنجليزية كحاكمة على الثقافة، صاغ حمية خاصة فيه تعتمد على البروتين والخضروات بشكل أساسي، لكنها تتشابه مع بقية الأنظمة التي تقلل الكاربوهيدرات والدهون وتمجد البروتينات.

اتبعت الحمية في المرة الأولى عام 2012 كان وزني حينها 65 وانخفض معها إلى 56، طولي 158، ومنذ ذلك الحين وبالرغم من أنني ألَّفت فيها حتى كدت أخترع حمية جديدة ولم أتَّبعها حرفيًا، لم يزدد وزني بل كان ينخفض بالرغم من مراحل الكسل والنشاط والشبع والجوع، والأكل بنية أن الحياة قصيرة ولم يعد هناك جميلُ بها غير هذا الطعام اللذيذ وسحره، ثم الندم بعد الأكل جراء المعركة التي تحدث داخلي بعد كل وجبة دسمة.

هدفي أن أرتدي ما أريد، ما أراه أنا قياسًا جميلًا لي، في هذا السن من حياتي، أريد أن يكون نصيبي من الدنيا بهذا التشكل، لو كان العالم ينهار من حولي، أريد لعالمي الذي أحمله معي أن يشيد بشكل أنيق، لا أريد أن أعجز عن الجمالِ لأنني ابتعدت عنه، أو ابتعد عني، في الوقت القابل للبناء.

هذا العام طبعت أهدافي في صور وعلقتها بجانب سريري حتى لا تنسيني سخافاتي ما أريد، كنت كل ليلة وبعد أن اطفئ الهاتف أتأمل تلك الفتاة التي وضعت صورتها وهي تجلس أمام شاطئ يغرب أو يشرق في جلسة يوقا تصعب علي، وإلى جوارها رقم 50، هل يمكن أن أصل إلى هناك؟

قللت أكلي بشكل كبير في رمضان، وفي العيد شعرت بذات الشعور السيء الذي كنت أعزي نفسي به حين عاد الأكل يغزو المكان وأصبح مجرد التفكير فيه وحمل همه جزءًا بشريًا أرجو تحسينه، في خامس أيام العيد، بدأت حمية دوكان بالتزام، وكنت أراقب نفسي.

في أول خمسة أيام (مرحلة الهجوم) وهي الأصعب إذ لا يمكن أن آكل فيها سوى البروتين الخالي من الدهون، وملعقة ونصف من نخالة الشوفان فقط، مع المشي لمدة 20 دقيقة على الأقل، اشتريت ما أريد من مكونات طبختها وأكلتها، أنا لست طاهية متفننة لكنني أكتفي بما أحتاج شرط أن يكون لذيذًا وياللمفاجأة فقد كان!، لم أعد أفكر في الخروج لمكان بحجة الأكل أو جلب حجة المطعم الجديد من أجل الخروج ولم أعد أتساءل ماذا سآكل تلاشت هذه المعادلات من دماغي، كنت أحمل طعامي معي، انخفض صرفي بشكل كبير.

حين جاءت (مرحلة الإبحار) التي استمرت لثلاثين يومًا، على أن تكون بالتبادل يوم بروتين وخضار ويوم بروتين فقط إضافة لملعقتي نخالة الشوفان ومشي 30 دقيقة على الأقل، عدت لاحترام الخضار بكل أنواعها التي كانت رقائق الذرة والحليب تحل محلها في فترات الخراب، تعودت على أشياء ما كان ينبغي لها أن تكون عادة، اختبرت التنوع وأكل الأشياء دون أن أضع بينها وبيني رغيفًا لا أحتاجه، أعجبت بتفوق متابعات للنظام على صفحته في الفيسبوك، خصوصًا فيما يتعلق بالحلويات وبابتكار خبز ليس بمكوناته لكن بشكله لحل المشكلة الذهنية.

سجلت جميع إخفاقاتي حتى لا تتكرر وكلها عائد للشخص النهم داخلي لا للجوع: ٥ حبات محشي ورق عنب، ٣ حبات شيكولاته، ملعقة كعكة حليب، ٣ ملاعق معكرونة، حبات بطاطس مقلية، حبة معمول، كما أنني أخطأت وأخذت روب يوناني وجبنة كوتاج كاملة الدسم بدل خالية الدسم وأكلت جزءًا منها.

اليوم أنهي (مرحلة الإبحار) وهي مرحلة النزول في الوزن، 35 يوم بدون سكر بدون خبز، أخذت حساباتي الأسبوع الماضي في الدهون والعضلات خسرت الأولى واحتفظت بالثانية، لم يتأثر شعري وأظافري وبشرتي، تغيرت قياستي وصرت أحدث نفسي ما الذي كان يملأ هذا الفراغ!، وصلت إلى وزن 52، غادرتني 4 كيلوات خلال 35 يومًا، ربما تساعدني المرحلة القادمة وهي (مرحلة التثبيت) في الوصول للهدف فمعها سأدخل فاكهة يوميًا ورغيف خبز و3 ملاعق شوفان، مع الحفاظ على يوم واحد للبروتين فقط و وجبة احتفالية كل أسبوع، وبها سأحصل على القوة الكافية لممارسة تمارين أقوى.

أصبحت أشبه ما تمنيت وكنت أراه جميلًا، وأنيقًا، سأحتفظ بهذه الذاكرة وفي كل مرة قد ينهار ما بنيته سأعود لتشييده ثانية، شكرًا دوكان.

هنا:
رابط المدونة الأولى:
http://alaa-skies.com/?cat=266
موقع حمية الدوكان:
http://www.dukandiet.co.uk/
كتاب حمية الدوكان:
https://g.co/kgs/zDV7Ub
رابط مجموعة الحمية للبنات فقط وفيها شرح و وصفات مبدعة:
https://www.facebook.com/groups/123583331592333/

 

تخلَّصتُ منِّي

كانت الأشياء تلحقُني مثل جيش وحوشٍ قزمِي، وعيي بها يوجدها، وإلا فقد كانت متراكمةً منذ سنوات، شعوري بالحاجة لمصادر اتكئ عليها في الكتابة فجأة حتى أبدو محترمة، أساء لثقتي بلغتي، وعطل مناطق الإلهام التي أصبحت كذلك حين هُجِرت، هاهي اليومَ تعاقبني، وتتمنع جدًا.

سأرمي كل شيء، أنا من أولئك المتنكرين للذكريات الملموسة، باعتبارها خيانةً للمحشوة في الرأس، هل يحتاج الذي لا يغيب إلى تنبيهٍ بقصاصة ورقة أو صورة، أو هدية لم تعد تناسبني أو تغيرَ ذوقي معها؟، ليس نقصًا في عاطفة لكنني أفاجئ كل من يقولُ لي ماذا تريدين كهدية: فأقول له: ذهب كيف أرمي الذهب، – آلاء وأين ذهبت الكتب والزهور؟ – الكتب أصبحت مسموعة أو إلكترونية أخف على يدي وعيني، أما الورود ألم تقرؤوا لدنقل؟ – المجد للشيطان معبود الرياح؟ – لا ليست هذه، (كل باقة.. بين إغماءة وإفاقة.. تتنفس مثلي – بالكاد- ثانيةً.. ثانيه، وعلى صدرها حملت – راضيه، اسم قاتلها في بطاقه!)

هكذا أتبني المبادئ في حياتي، قررت أن أرفع معدل بساطتي الموجود أصلًا بشكل طبيعي بما يتواءم مع شخصيتي مرورًا بالأحداث التي تضمنت تخزينًا في حياتي وانتصرت عليها في مراحل التجهيز للزواج والسفر والانتقال من بيت لآخر كانت مجموعة أشيائي تقل، قرأت الفترة الماضية كتاب سحر الترتيب لماري كوندو وشاهدت فيلم the minimalists، وقمت بحملة ترتيب كانت نتائجها أنني أملك الآن: نصف خزانة ملابس معلقة، 6 أحذية، 3 أرفف لكل ملابسي المطوية، رفان لأدوات التجميل والشَعر والمجوهرات.

الأقدم من كتاب ماري وهبَّة التبسيط الإيجابية، هو مشهد جورج كلوني، في فيلمه Up in the air، حين شاهدته قررت في لحظة عميقة بيني وبين نفسي أنني لن أثقل نفسي بالأشياء ما حييت وما استطعت إلى ذلك سبيلا، للسفر، اشتريت حقيبة أصغر من حقيبته في هذا المشهد، ولم أعد ألقي بالأمتعة في شَحن الطائرة، بل آخذ حقيبتي الصغيرة لداخلها، الحقائب الكبيرة مضيعة للوقت ولا يمكنني أن أمارس العنصرية تجاه بنات جنسي فقد شاهدت من الرجال من يحمل حقائبًا أكثر منهن.

الوقت يضيع في انتظار الحقيبة ثم حيرة أمام الملابس، ضياع الأشياء، صعوبة وضع شيء إضافي فيها، الأشياء التي سترتديها مجعلكة لأنها احتاجَت لكي، والأشياء التي لَن ترتديها لأنها تحتاج لكي، وياللمفاجأة أصحاب الحقائب الصغيرة أكثر أناقة لأنهم اختبروا هذا الرداء مئات المرات ولم يخذلهم حذاء أسود وبنطال رسمي أزرق وقميص بلون وردي باهت في أن يتماشى مع كل شيء.

الشعور بالتخفف لا يساويه شيء، لقد تخلصت مني معنويًا من أشياء ترتبط بي، وتوقفت عن التفكير في هندسة التخزين، للتفكير في أشياء أجمل، بقيت بعض الأشياء التي أود التخفف منها، ولم أفعل لشيء من كسلي، أهمها الكتب، ولكن سيأتي هذا اليوم كما جاء غيره.

مراجعتي للكتاب على الـ goodreads

هنا مدونة تشرح بشكل أفضل مني ما فعلته ماري

وهنا وهنا مقاطع الفيلم المهمة من Up in the air

تدوينة مشاعل الدريعان

 

تجربتي مع اليد المكروهة

كنت أتأملها أحيانًا قبل النوم، أخشى أن تظهر في الصور وأحب تجربة الخواتم لأرى إن كانت ستحسن من شكلها البشع، من النادر أن أتحدث في سري عن شيء من جسدي بهذا الشكل عوضًا عن أن أجاهر به، احترامًا للخالق ولجينات أجدادي حتى لا يتململوا من تفاهة الحفيدة العاشرة في قبورهم، حين كنت طفلة كانت الرمال تتجمع أسفل أظافري، وفي سقطات مختلفة الأسباب ربما رفسة من ابن عمي ونحن نلعب الكرة أدت إلى تسلخاتها، عوضًا عن النمش الذي اقترفته شمس منطقة النخيلات التي لا ترحم، هذا أسوأ ما يمكن أن تكون عليه، إلى أن كَبرت وتخليت عن ضفيرة شعري، لألفه بمقبض أو مقبضين على شكل كعكة تتوارى خلف الحجاب، لكن ماذا عن يدي؟

متابعة قراءة تجربتي مع اليد المكروهة

عندما لا تبكي النساء/ فيلم دانجال

أود أن أخبركم بشيء يجعلني أشفق على نفسي أحيانًا أو أتناسى هذه الشفقة ليحل محلها شعور ناقصٌ بالقوة. أنا لا أبكي على الأقل ليس أكثر من خمس مرات في السنوات الخمس الأخيرة، لم أبكِ حين غادرت منزل أهلي إلى بيت زوجي، ولا على الأفلام التي تعرض مقاطع للأم والأب أو مشاهد الدمار المفجع، ولا حين أشعر بثقب في صدري لذكرى، ولم أبك حين ودعت من أحب إلى التراب، ولا حين رأيتهم شوقًا، لا فرحًا ولا ترحًا، طوفان من المشاعر يعبر قلبي وأوردتي أحسه في رفة أذني ورؤوس أصابعي، كما حدث مع لوسي في مشهد من فلمها (lucy) كانت تكلم فيه أمها بعد أن تسربت المادة التي رفعت مستوى وعيها إلى آخر أوردتها:

Lucy: Mom?
Lucy’s Mother: Yes.
Lucy: I feel everything.
Lucy’s Mother: What do you mean, sweetie?
Lucy: Space. The air. The vibrations. The people. I can feel the gravity. I can feel the rotation of the earth. The heat leaving my body. The blood in my veins. I can feel my brain. The deepest parts of my memory.
Lucy’s Mother: Sweetie, we have a bad connection. I can’t hear you so well. What did you say about memory?
Lucy: The pain in my mouth when I had braces. I…I can remember the feeling of your hand on my forehead when I ran a fever. I remember stroking the cat, it was so soft.
Lucy’s Mother: The cat? What cat, honey?
Lucy: That Siamese with blue eyes and a broken tail.
Lucy’s Mother: Sweetie, you can’t possibly remember that. You were barely a year old.

هكذا أحس بالأشياء من حولي لكنها لا تزيد عيني إلا جفافًا، وتأتي على ما تبقى من موطن لين في قلبي فيتصلب بريح الحزن أو الغضب أو الفرح حتى، (حسنًا ها أنت تستطردين من جديد)، يرقبني من حولي في موقف لا ينتظر أحدهم مني سوى أن يرى لمعة انهمار على الخد، ولا يحدث شيء سوى ابتسامة بلهاء، يحرجني ذلك حين يشعرون أنني بلا قلب أو أن ما حدث لم يكن على عظمه كفيلًا بهز الجبل، ولكن أتمنى دومًا أن تكون هناك شعارات لأي امرأة مثلي (عندما لا تبكي النساء)، دلالة على فداحة الخَطب، كما في (حين يبكي الرجال)، وأخيرًا وجدت عنوانًا لهذه التدوينة، الحقيقة أنني كنت سأتحدث عن فيلم دانجال، ولكن مقدمة ابنة نور (جدي اسمه أحمد نور وأحب اسم نور) طالت أكثر مما ينبغي لها.

دانجال

المكان الأمثل لمشاهدته هو السينما بالرغم من أني لم أعد أذهب لها كثيرًا انتهى الهوس وبدا لي سريري والماك بوك  أكثر جاذبية، إلا أن رائحة الفشار المكرمل، ورقائق البطاطا، وصلصة الجبن، والهلبينو، ومقعد في الخلف مع صديقات يفهمن القصد بمجرد إيماءة، هي عدة ساحرة لمشاهدة الأفلام الهندية، التي لم أدمنها في حياتي ولا يعلق في ذهني منها إلا صور من الطفولة، عدت إليها بعد مجموعة أفلام في السنوات الأخيرة تستحق المشاهدة بتقديمها شيئًا مميزًا بعيدًا عن ما يمكن نعته بـ “فلم هندي” كإشارة لكثافة الدراما، وطفحان المبالغات، والرقص المؤبد، هذه الأفلام المميزة مثل: PK، The highway, Bajrangi Bhaijaan

دخلت قاعة السينما في الوقت المحدد تمامًا مع عدتي، وقد أوصتني صديقتي التي شاهدت الفلم أن أحضر معي الكثير من المحارم الورقية لأنني سأبكي!، قالتها بكل تأكيد، ولم أرد عليها متذكرة تاريخي مع هذا السد الجاف، إلا بـ ياليت!، بدأ الفيلم بأغنية يمكنها أن تعلق كدودة في الأذن، (دانجال دانجال)، الفيلم يحكي قصة الأب الذي أنجب فتاتين علق عليهما حُلمًا لا يليق إلا بالصبيان، كان هدف نيل ميدالية عالمية في المصارعة فشل في تحقيقه فأراد تحويله إليهم، وأي أب لا يريد لأبنائه أن يكونوا أفضل منه، القصة متطورة في بنائها فهي تصور الأب في كل حالاته في قسوته وحنانه وأخطائه التربوية وإيمانه وشكله الذي يبدو محرجًا حين يصغر في عيون أبنائه المراهقين بعد اكتشافهم بأنه ليس بطلهم الخارق وحين يستعيد تلك المكانة بعد عبورهم من هذه المرحلة مدركين أنه مجرد إنسان، كان الفيلم مدعاة للتأثر، إلا أن سد عيني الأول انهار بعد أن أدركت ابنتاه أن ما يقوم به أفضل من الواقع الذي يمكن أن يواجهنه كفتيات في حي هندي فقير، يكون فيه الزواج نهاية قصتهم القصيرة، ناولتني صديقتي المحارم الورقية وهي تضحك، وكنت لأتخلص منها، إلا أنني بكيت مرة أخرى في نهاية الفيلم، وكان شعورًا هانئًا على قلبي الذي مل البكاء وحده دون أن تؤازره العين.

الفيلم مبني على قصة واقعية، بذل فيها طاقم العمل جهدهم لإيصال الفكرة، السيناريو متقن بالرغم من وجود بعض الرسائل الواضحة الفجة كخدمة الوطن وضرورة دعم الرياضيين وحتى فيما يتعلق بالمرأة، إلا أن ذلك يمكن التغاضي عنه أمام مشاهد المصارعة المصورة باحترافية، وما بذله عامر خان من جهد ليكتسب وزنًا في فترة قصيرة أثناء تصوير الفيلم، والتمارين التي مارستها فاطمة وسانيا وزايرا وسوهاني ليكونوا كما هي القصة والتي استغرقت منهم أكثر من ستة أشهر، يستحق الفيلم المشاهدة من الجميع، مع احتياطي من المناديل الورقية للبكاء سواء كانت حالتك مثلي أو أشد.

ترشيحات التدوينة (سأضع نهاية كل تدوينة قادمة مجموعة من الترشيحات لأشياء تمنيت أن يشاهدها آخرون).

هذه الأيام للشِعر

هذه الأيام للشِعر، أجد في اللغة المنثورة حكيًا مكروراً، وفي الاقتباسات علبًا بطعام تطغى عليه رائحة المواد الحافظة وهي تشي بكذب الظاهر “خالي من المواد الحافظة”، الشِعر الجيد الذي يعجبني في اختزال الفكرة وهو يصفها كلمات راقصة، لا تحتاج لكل هذا الغثاء اللغوي الذي كثيرًا ما أمارسه وأنا أراقب الأشياء وأبدأ في تدوين الفقرات، وحياكة القصص المبهرة، أتذكر قدرتي على الكذب الكثير الكذب الحِلو الذكي الذي لا يكشفه أحد والمندرج تحت خانة كيد الأنثى، ما بكم حتى الكذب تمكن جندرته، ثم أتذكر مثاليتي فأنسى كذباتي وأقرر الحقيقة والشفافية وكل الأشياء التي أقررها مع نفسي في البدايات، ما أحبه في اختيارات الشِعر أنني لا أهتم لعامِل ما فيه، هو المزاج وكل ضوضائه يحدد.

يبدأ الصباح، يسرني أن أقرأ وأردد لكعب بن زهير:

لَوْ كُنْتُ أَعْجَبُ منْ شَيءٍ لأعْجَبَنِي

سَعْيُ الفَتَى وهو مُخْبُوءٌ له القدَرُ

يَسْعَى الفتى لأمورٍ لَيْسَ مُدْرِكُها

والنفسُ واحدة ٌ والهمُّ منتشرُ

والمرءُ مَا عَاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَمَلٌ

لا تَنْتَهِي العين حتى ينتهي الأثر

في الظهيرة الصغيرة، يكون الوقت مشغولًا بأشياء كثيرةَ يكفيه بيتان لعنترة ليبقى على قيد النهار:

لقدْ ذلَّ منْ أمسى على رَبْعِ منْزلٍ

ينوحُ على رسمِ الدَّيار ويندبُ

وقدْ فاز منْ في الحرْب أصبح جائلا

يُطاعن قِرناً والغبارُ مطنبُ

نَدِيمي رعاكَ الله قُمْ غَنِّ لي على

كؤوسِ المنايا مِن دمٍ حينَ أشرَبُ

ولاَ تسقني كأْسَ المدامِ فإنَّها

يَضلُّ بها عقلُ الشُّجَاع وَيذهَبُ

حين أعود من أي عَمل، يكون الوقت للشابي، يشبهني هذا الشابي جدًا في وصف الأشياء التي تَعمَلُ داخله في أكثر قصيده كما لو أنها بركان، أو مجلة ملونة تتقلب بسرعة، أو عشرات الـ (TAB) في رأس المستصفح، كأن عيني منشورًا مثلثًا يدخله الضوء ويعكس عليه حفلة راقصة في داخل هذا العقل الذي يكتفي بلمعة العين ردة فعلٍ لصخب لا يتوقف، يحكي الشابي عن قلبه واصفًا إياه فيقول:

فيه الشُّموسُ وعاشتْ فَوقُه الأممُ

يا قلبُ! كم فيكَ من كونٍ، قد اتقدَتْ

كواكبٌ تتجلَّى ، ثُمَّ تَنعِدمُ

يا قلبُ! كمْ فيكَ من أفقٍ تُنَمِّقْهُ

فيه الحياة ُ، وضجَّت تحتُه الرِّمَمُ

يا قلبُ! كمْ فيكَ من قبرٍ، قد انطفَأَتْ

منه الجداولُ تجري مالها لُجُمُ

يا قلبُ! كمْ فيكَ من كهفٍ قد انبَجَسَتْ

أو وَرْدَة ً لمْ تشَوِّهْ حُسنَها قَدَمُ

تمشي..، فتحملُ غُصناً مُزْهِراً نَضِراً

إنْ يُسألِ الناسُ عن آفاقه يَجِمُوا

يا قلبُ! إنَّك كونٌ، مُدهِشٌ عَجَبٌ

عنكَ النُّهَى ، واكْفَهَرَّتْ حَوْلَكَ الظُّلَمُ

كأنَّكَ الأبدُ المجهولُ…، قد عَجَزَتْ

ولذَّة ٍ، يَتَحَامَى ظِلَّها الألمُ

يا قلبُ! كمْ من مسرَّاتٍ وأخْيِلة ِ

نَشْوَانَ ثم توارتْ، وانقضَى النَّغمْ

غَنَّتْ لفجرِكَ صوتاً حالماً، فَرِحاً

حتَّى توارتْ، وسار الموتُ والعدمُ

وكمْ مُشَتْ فوقكَ الدُّنيا بأجمعها

وتذْهَبُ الشمسُ والشُّطآنُ والقممُ

تمضي الحياة ُ بما ضيها،وحاضِرها

يَبْقَى على سطحكَ الطَّاغي، ولا ألمُ

وأنتَ، أنتَ الخِضمُّ الرَّحْبُ، لا فَرَحٌ

رقَّيتَها مَرَحاً، ما مَسَّك السَأمُ

يا قلبُ كم قد تملَّيتَ الحياة َ، وكمْ

هذي العَوَالمُ، والأحلامُ، والنُّظُمُ

وَكَمْ رسمتَ رسوماً، لا تُشابِهُهَا

وتستجدُّ حياة ً، ما لها قِدمُ

تبلُو الحياة َ فتبلِيها وتخلَعُها

مِثلُ الطَّبيعة ِ: لا شَيْبٌ ولا هرَمُ

وأنت أنتَ: شبابٌ خالدٌ، نضِرٌ

على القهوة الختامية حين تغرب الشمس، أودع الطعام في قرار اتخذته وأحاول التمسك به ما استطعت، أن أترك فمي للهواء يتغذى به عقلي ويهدأ هذا الجسد منشغلًا بأشياء أخرى، فيأتي عبدالمعطي حجازي في المساء:

ولكنني في المساء أبوح

أسير على ردهات السكينة

وأفتح أبواب صدري ،

وأطلق طيري ،

أناجي ضياء المدينة

إذا ما تراقص تحت الجسور

أقول له .. يا ضياء ، ارو قلبي فإني أحب !

أقول له .. يا أنيس المراكب والراحلين أجب

لماذا يسير المحب وحيدًا ؟

لماذا تظل ذراعي تضرب في الشجيرات بغير ذراع ؟!

ويبهرني الضوء والظل حتى ،

أحس كأني بعض ظلال ، وبعض ضياء

أحس كأن المدينة تدخل قلبي

كأن كلاما يقال ، وناسا يسيرون جنبي

فاحكي لهم عن حبيبي

وقبل النوم، تودعني أبيات دنقل:

لماذا إذا ما تهيَّأت للنوم.. يأتي الكَمان؟..

فأصغي له.. آتياً من مَكانٍ بعيد..

فتصمتُ: هَمْهمةُ الريحُ خلفَ الشَّبابيكِ,

نبضُ الوِسادةِ في أُذنُي,

تَتراجعُ دقاتُ قَلْبي,..

وأرحلُ.. في مُدنٍ لم أزُرها!

شوارعُها: فِضّةٌ!

وبناياتُها: من خُيوطِ الأَشعَّةِ..

صارَ الكمانُ.. كعوبَ بنادقْ!

وصارَ يمامُ الحدائقْ.

قنابلَ تَسقطُ في كلِّ آنْ

وغَابَ الكَمانْ!

مراجعة : في النظام السياسي للدولة الإسلامية

في النظام السياسي للدولة الإسلامية

الكتاب المكتوب بشكل صحيح لدرجة أنك ستخدع أن كل مافيه يمكنك أن تؤيده، قرأت هذا الكتاب في سنوات ماضية وانبهرت به انبهارًا وتبينيت بعض أفكاره ولابد أنها ساهمت في عقلي وفعلي، اشتريت منه أكثر من نسخة كل مرة تضيع وأتحسر على ملاحظاتي وإشاراتي ورسوماتي، أو أرثي لحال من سيعثر عليه ويقرأها .

الفترة الماضية عدت إليه من جديد وشعرت بالحزن أنه فقد قيمته الزمنية من ناحية الإجابة على أسئلة الخلافة، والتطويع الشكلي في المقارنة المباشرة بين الشورى والديموقراطية، هذا تلخيص بسيط لأحد أجزائه.

تلخيص فصل من كتاب في النظام السياسي للدولة الإسلامية
للدكتور محمد سليم العوا
من ص ١٣٤ إلى١٤٢
دار الشروق، الطبعة العاشرة، ٢٠١٢

هل يجب أن تقوم حكومة إسلامية في الدولة الإسلامية؟ وماهو العنصر الذي يميزها عن غيرها؟، يرى العوا أن ما يميزها هو الغاية التي يجب عليها أن تسعى شرعًا لتحقيقها، وهو أن تتوافر فيها صفة “الإسلامية”، وهي الخضوع لتعاليم الإسلام في جوانبها المختلفة، ويتحقق ذلك بأن يكون القائمون على وظائف الدولة ملتزمون بأحكام الإسلام، وأن يكون القانون العام المطبق في الدولة مستقى منها، وهذا هو مقصد الفقهاء في وجوب الخلافة، إذ لا يعني أكثر من قيام دولة تحقق الغاية التي رسمتها الشريعة للدولة، وهو في ذلك يحاول أن يهبها هذا المسمى في حين أن الدولة المعاصرة لا تحتاجه بالضرورة فالأهم هو المضمون والغاية قبل المصطلح والمسمى.

يعود العوا بعدها ليوضح وجهة نظره بعيدًا عن المسمى ويبين ما يقصد بمفهوم “الإسلامية” فيقول: ليس صحيحًا أن يكون الحفاظ من بعض الفقهاء على الشكل الذي قامت به الدولة الإسلامية في تاريخها أو التمسك بالوسائل الإدارية فيها إذ أنها قامت لتطبيق الغايات التي لا يمكن أن تؤديها إلا دولة، ولا تعني لفظة “الإسلامية” هنا ما يتعلق بالعقيدة والإيمان فهي ليست دولة دينية، وإنما ما يتعلق بالقانون الذي تعبر عنه الشريعة والفقه. فهي حكومة غالبيتها مسلمة، يخضع فيها الغالبية إلى القانون الذي ارتضوه، والمسيحيون واليهود وغيرهم شركاء في هذه الدولة بما فيها شؤون الحكم ما داموا يخضعون للقانون الذي لا يتغير إلا بالوسائل الديمقراطية التي تهب الحرية لجميع الأطراف، أي أنه يرى في النهاية أن القانون عليه أن يكون مستمدًا من الشريعة، وهو بذلك سيفرق في الفقرات القادمة بين الدولة العلمانية والإسلامية.

ويبين أن واجبات الرئيس في الدولة الإسلامية، تتلخص في كونها خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وإن مقصد إقامة الدين إلى جوار تدبير مصالح المحكومين هو الهدف الأساسي الذي تلتزم به الدولة، لذا أوجب الفقهاء على الحاكم أن تكون واجباته تدور حول تحقيق هذين الأمرين، وإذا كانت إقامة الدين تعني الآن الخضوع للقانون الإسلامي، فإن تحقيق مصالح المحكومين أيًا كانو بذات الأهمية، ولذا على الحاكم مراعاة ما يحقق خيري الدنيا والآخرة في المحكومين، فيوفر لهم الحياة الكريمة، من تعليم وصحة وحفظ مال، متيحًا لهم تطبيق شعائرهم الدينية وحرياتهم فيها، وضح العوا أهمية رعاية مصالح الناس إلا أنه لم يتوسع في مفهوم حراسة الدين من خلال جعله قانونًا، فالمصطلح ذاته المأخوذ من الماوردي يطرح تساؤلًا حول قوة هذا الدين الذي يحتاج إلى حراسة من فرد، واستخدامه في العصر يطرح تساؤلًا حول السياق الذي يمكن استخدامه فيه خاصة أنه صيغ في عصر الدولة العباسية التي لم تكن لتكون ديمقراطية أو يكون الحاكم اختير بالأمة.

ثم يقول إن أحكام الشريعة الإسلامية في جملتها تهدف إلى تحقيق مصالح الناس، وما من حكم جزئي أو كلي إلا ويخدم مصلحة خاصة، وهي أحد الخمسة، النفس والعقل والعرض والمال والدين، على أن تكون رعاية هذه المصالح وفق القواعد الإسلامية التي يعد التمكين لها جزءًا من وظيفة الحكومة الإسلامية، وأصل ذلك أمران: أولهما أن القواعد في الإسلام وضعت على أساس تفصيل مالا يتغير وإجمال ما يتغير، وذلك كونها شريعة خالدة، وبذلك يختار علماء كل عصر من الكليات ما يناسب ومنها (الأمور بمقاصدها) و(المشقة تجلب التيسير) و(العادة محكمة)، والثاني أن للحكام أن يقرروا ما يناسبهم من سياسة تقيم صلاح العباد، مما يقيمه العدل، وأيًا كانت الوسيلة في ذلك فهي شرع الله ودينه ما دامت تحقق الغاية، فإن من مبادئ الشريعة التوسعة على الحكام في السياسة الشرعية، ذكر العوا أن للحاكم أن يختار مافيه صلاح للعباد وهذا مفهوم إن كان مختارًا من قبل الأمة، لكن وضع كل هذه الصلاحيات في يده دون أن يكون كذلك ودون أن يحقق فيها مقصد الشورى فيه عسف، ويضيف، وبهذا جاز لأجهزة الدولة على تنوعها أن تأخذ بما ترى فيه صلاح أفرادها سواء كان ذلك النظام مطورًا عنها أوجديدًا ابتدعته أو مقتبسًا عن أنظمة أخرى أخذته كله أو أخذت ما يناسبها منه وعملت على تطويره، وبهذا علينا أن نفرق بين الأخذ بالشكل العملي للنظام ومراعاة الأسس الفكرية المبنية عليه فإن كان في الفكرة ما يخالف الشريعة اكتفينا بالأداة عنها.

ويبين العوا الفرق في سعي الدولة العلمانية إلى تحقيق مصالح المحكومين وسعي الدولة الإسلامية في الأصل الثاني إلى ذلك أيضًا هو أن الدولة العلمانية تهدف إلى تحقيق الصالح العام ويختلف هذا الصالح العام من دولة لأخرى وهي بذلك تربط هذا الصالح بأمرين أولهما أنه زمني ودنيوي دون عنصر ديني وروحي وثانيهما أن مضمون الصالح العام عندها يحدد من خلال الحياة الاجتماعية والسياسية في الدولة، في حين أن الدولة الإسلامية في رعايتها للصالح العام تتوجه إلى أسس سابقة لوجود الدولة دعتها الشريعة الإسلامية ولم تحدها مجموعة، فهي بذلك قائمة على الالتزام بالقانون الإسلامي، وهذه لازمة للدولة الإسلامية إذ بغيابها ينتفي الأصل الذي قامت عليه، ومصدر تقرير هذا الأصل هو القرآن والسنة وهي قواعد أعلى في قوتها الإلزامية من أي قواعد تضعه الدولة، وبذلك يكون الفرق أن الغاية في الدولة الإسلامية ركن أساسي تستند إليها في أركان قيامها وإن تغيرت وسائلها في حين أن الدولة العلمانية يقتصر دور غايتها على كونها أحد موجهات سياسة الدولة وقابلة للتغيير، تفريق جميل إلا أنه لا زال عامًا فمن الذي يحدد التأويل المقتبس من القرآن والسنة، أو آلية الاستقاء من هذين المصدرين، إن ترك الأمور على عمومياتها و وضع مقدس في مكانة فوق القانون تتيح استغلاله لمصالح سياسية.

يخلص العوا إلى أن الغاية في الدولة الإسلامية شرط بقاء كما هي شرط ابتداء، فشرعيتها مستمدة منها فإذا خرجت على مقتضى الشرط، انقضت ولايتها، ولم تجب على الناس فيها حقوق، وإذا قامت حكومة في زمن ما تحت ظرف من الظروف غير ملتزمة بهذه الغاية فهي حكومة غير شرعية، لا يجب طاعتها، فإن الحد الأدنى اللازم لطاعة هذه الحكومة هو تحقيقها لغايتها، فإن حل طارئ أخذ بقدره، وذلك لا يسقط عن الشعب محاولة استعادة قدرة دولتهم على تحقيق هذا الالتزام، ولا واجب إزالة الطارئ.

View all my reviews

1

“الجنس الإنساني مسيس، واعيًا أو غافلاً، راغبًا أو راهبًا، فالسياسة من مراحل الرقي الإنساني، وتعلو قدرات الإنسان في مجتمع بمقدار علو التفكير السياسي فيه، وتنخفض إمكانته الذهنية بمقدار تراجع وعيه السياسي، حيث النقاش مخ العمل السياسي، ويحدد محتوى الوعي السياسي وطريقته وتوجهه وليس استعباده، ومن يقوم بهذا نخبة من المتعلمين والمجربين وذوي المصالح، تضع قانونًا يضمن لكل ذي اهتمام او موهبة أن يصل، وتحرم التحجير على عصبية أو مذهب أو عرق أو إقليم يقع تحت نفوذ ذلك الحكم.”

محمد الأحمري، الديمقراطية الجذور وإشكالية التطبيق، ص51

30 دقيقة لروح الجسد

مرحلة انسحابية من حياتي تلك التي زارني فيها الصداع النصفي لأول مرة في التاريخ، وتكرر بعدها، كان ذلك في أواخر ديسمبر قبل ثلاث سنوات، يومها كانت البداية الحقيقية والوقفة الرئيسية مع الذات، قبل ذلك كنت أذهب يوميًا للمشي السريع في حديقة الحي وأسجل بشكل متقطع في بعض النوادي الصحية وأظن أن لياقتي عالية فبإمكاني مقارنة مع من حولي المشي لمسافات طويلة جًدا ويمكنني ممارسة جميع أنواع تمارين الوسط بسهولة، ولكنني لم أنتبه إلى أنني لم أكن أستطيع القيام بتمارين الضغط ولا حتى لمرة واحدة بشكل صحيح، كانت لياقة إقصائية.

كنت أحاول بشكل غير جدي ترتيب أكلي المكون أساسًا من النسكافيه والشاي الأخضر وتوست الجبن بالطماطم، وكنت أتناول كل هذه الأشياء ليلًا  كوني أسهر كثيرًا مع تجارب حمية مجنونة تقوم على أكل التفاح في يوم والبرتقال في يوم آخر، قررت أنني لا أريد أن أبقى هكذا طول حياتي بوزن واحد يزيد كيلوجرامًا أو ينقص، وبشكل واحد لم أكن راضية عنه تمامًا وإنما أريد له الأفضل، والأهم من ذلك أن ينتهي هذا التعب البسيط دون سبب والخفقان المستمر، والصداع الجديد المعيق عن ممارسة أي شيء غير التحديق في السقف.

البداية

بدأت بالبحث عن أفضل طرق الرياضة وتابعت برنامج انسانتي للمدرب شون تي وهو برنامج يعد متقدمًا لمن يريد البداية بدأت بحماس وبعد مرور أسبوع كان الوضع لا يطاق لقد سببت صدمة قوية لهذا الجسد المسكين. كنت حينها أعبر شارعًا وقرأت على لافتته نادي للرياضة وقررت من الزيارة الأولى المشاركة فيه كان هذا النادي هو نادي كيرفز الذي تقوم تمارينه على 30 دقيقة فقط كخطوة لتشجيع المشغولات، وكانت البداية معه، أنهي عملي وأذهب للنادي ومن ثم إلى الجامعة، في رحلة مراثونية ممتعة، كان تشجيع المدربات والمتابعة والمراقبة كل شهر حافزًا كبيرًا ، ودعت في هذه المرحلة كل الوزن الذي يمكنني اعتباره زائدًا، وأصبحت لياقتي أعلى.

بالتوازي مع ذهابي للنادي بحثت كثيرًا عن موضوع الحمية وقررت أنني لن أقع في خطأ الحمية التي تعتمد على نوع واحد والتي تأتي بنتائج سريعة تتراجع بعد التوقف، وبعد البحث وقفت عند حمية دوكان، العائدة لطبيب فرنسي تقوم فكرتها على استبدال الحميات التي تقلل كمية الكالوري إلى التي تستخدم مجموعة من المكونات الغذائية المهمة في تكوين الجسم بشكل متوالي مخطط له، كأنها تعيد إنعاشه من جديد، وتمر بمراحل منها الهجوم، والإبحار، والتماسك والاستقرار، أُصدر حول الحمية كتاب ترجم إلى العديد من اللغات ومنها العربية.

قطعت السكر والملح المضاف أثناء هذه الحمية وأظن أن قطعهما كان له سبب رئيسي في إعادة تهيئة نظامي تجاه الأطعمة، لم يعد هناك إدمان، لم يعد هناك رغبة بتناول شيء إلا عند الجوع والحاجة إليه، كان التغيير الحقيقي والأهم هو في خفض نسبة الدهون التي لا علاقة لها بالوزن بقدر علاقتها بالشكل فهي خفيفة لكنها تأخذ حيزًا كبيرًا مقارنة بالعضلات.

هناك آراء متعددة حول هذه الحمية لكن أظن أن أجمل ما خرجت به منها هو التوازن الذي أعادته لجسدي، لم أستمر عليها بالمعنى الحرفي ولكن ساعدتني على رسم النظام الصحي الخاص بي.

الفهم

انتهى اشتراكي في النادي بعد سنة، حينها قررت قرارًا جرئيًا بأن لا أجدده بل أن أمارس الرياضة لوحدي في المنزل وبدأت بمتابعة قناة XHIT وممارسة التمارين التي فيها لمدة 30 دقيقة بشكل مستمر واشتريت أثقالًا صغيرة لليد لا يتجاوز ثقل الواحد منهم 2,5 كيلو لكل يد، لكنه كان يصنع الكثير من الفرق، وكنت أخلط بين اليوقا والتركيز على الجزء الأعلى والأسفل من الجسم بشكل تبادلي، وكان زوجي يشاركني الكثير من التمارين تشجيعًا واستمتاعًا بالحركة التوافقية كتلك التي تؤدى على المسارح ولو بين شخصين.

اتجهت في تلك المرحلة لخلق البدائل قبل إلغائها، فأنا الآن أتحكم بثلاجتي ومطبخي، وأرى ما يحدث في القدر، ومعي الكائن الطيب الذي يريد طعامًا لذيذًا وصحيًا في الوقت ذاته، انتهى الرز الأبيض واستبدلته بالأسمر كذلك مع المعكرونة والخبز والتوست، لم يعد هناك حلو أو شوكولاته أو شبس في المنزل إلا نادرًا فقط لوح متوسط من الشوكولاتة السوداء بنسبة 70%، والكثير من المكسرات غير المملحة والشوفان والفواكه المجففة، أردت لهذا النمط أن يستمر معي طوال الحياة حينها. وحين كانت تصلني بعض التعليقات النابعة عن ود بأنه علي التوقف لأنني وإلا سأختفي كنت أرد ضاحكة بأنني أريد أن أصبح XS وكان ما أردت تغيرت مقاسات ملابسي، وأفرغت غير المناسب منها لأنني لن أعود لها مرة أخرى، كنت أترك وجبة مفتوحة في نهاية الأسبوع لأي شيء وأحرص على ألا تكون مغمورة بالدهون المشبعة التي سيصعب علي التخلص منها في الأسبوع الذي يليه.

قوة العادة

كانت أشياء بسيطة يمكن أن تصنع التغيير بقوة العادة، لم أعد الآن أطيق أي عصير صناعي أو طبيعي مضاف له السكر، ولا أستطيع أن أشرب الكرك المغرق به، ولا آكل الأشياء المالحة بشكل غير طبيعي، أشياء بسيطة خلقت الفرق، فالفشار (البوب-كورن) يصبح مختلفًا بالجهاز الحراري لا بالزيت والزبدة، وأكل الموز مع القهوة شيء غريب لكن الطعم غالبًا ما يكون واحدًا ولو اختلف الآن فسيتغير لاحقًا، تغيرت أشياء لم أكن أظن أنني سأستغني عنها يومًا ولم أعد أشتريها أبدًا، وأصبح الماء مشروبًا رئيسيًا مع الوجبات وبينها، وبات من النادر أن آكل شيئًا ثقيلًا  بعد السادسة، وأقرأ المكونات فإن كانت معقدة جدًا أدرك أنه ليس طعامًا، أصبحت أصنع طعامي وآخذه معي، وإن لم أتمكن من ذلك فأشتري ما أظنه صحيًا وقليل المكونات.

tumblr_n9jrv8RzxS1s39eoto1_400

بدأت مرحلة رياضية مختلفة في بناء الجسد مع قناة finessblender يقوم عليها دانيال وكيلي زوجان رياضيان، ولهم العديد من المقاطع ومؤخرًا جددو موقعهم الذي يضم كل المعلومات حول كل تمرين ويقومون ببرامج مختلفة كتحدي الخمسة أيام للمشغولين، ومقاطع للمبتدئين، أقوم بتحديد البرنامج الرياضي كل يوم لكل أسبوع لمدة نصف ساعة على الأقل بحيث لا أنشغل بالتفكير فيما سأمارسه كل يوم، وزدت في الأثقال التي أحملها إلى 10 كيلو، مع أهمية التسخين والتبريد قبل كل تمرين وختامه بتمارين الشد، إضافة إلى محاولة المشي المستمر والحركة الدائمة ما وجدت حيزًا لها، وقبل أن أنشر هذه التدوينة أنهيت هذا التمرين.

 الأثر النفسي من الرياضة يوازي الأثر الشكلي والصحي لا يعرفه حقًا إلا من يمارسها، والآن أهدف إلى إتقان بعض الرياضات بشكل جاد، كالتنس الأرضي والسباحة.

هل هذا ترف؟

909694288b596a36c1bb7e71330107fa

كثيرون من أصحاب الهم أو المثقفين، ملتزمين كانوا أو غير ذلك لا يهتمون بهذا الأمر كسمة أساسية للحياة ولا ينتبهون له، بالنسبة لي انتهت مرحلة الرياضة المكثقة المستمرة عندي بعد المرحلة الابتدائية، كنت مشتركة في رياضة الجمباز ومتفوقة بها، ثم أصبح الأمر يأخذ منحى أنها للكسالى ونخطف من حصة الرياضة لأي مادة تكميلية أخرى، ولم يعد لذلك أهمية إلا في بعض المواقف التي تكون فيها شيئًا خفيفا للمتعة البسيطة دون جدية، في حين أن الثقافة الغذائية لم تتغير بالرغم من تغير طبيعة الناس لازال المرق السابح بالدهن والبرياني الدسم شيئًا أساسيًا مع تراجع نمط الحركة.

للحظة معينة قد نفكر بالدماء والآلام التي تعاني منها الشعوب ولا نفعل شيئًا غير الذهاب لمقهى قريب لتناول طبق من الكنافة المشربة بالحلو، ثم ننظر لأي محاولة تعديل في نمط الحياة على أنها نوع من الرفاهية أمام معناة الآخرين، ولكن الحقيقة أننا بهذا النمط من الحياة سنعاني، إن لم يكن الآن ففي المستقبل.

هذا الجسد أمانة تحوي الروح والعقل، رعايته تخلق تلك اللذة أمام تحديه باستمتاع مع كل تقدم، وشكلًا  حلوًا في أعيننا نحن قبل الآخرين، وروحًا خفيفة يمكنها أن تفعل ما تشاء دون مراجعة حسابات.

اختر أنت قدرك

6047494714_ec3f650642

بدأت برنامج هادئ بيني وبين نفسي دون جدول ودون جنون الوقت والإحساس بضغطه الذي أرتكبه دومًا، فقط قررت أن أمضي بهدوء ناحية أهدافي لهذا العام، وبدأت التحرك بشكل جيد، لعل أفضل ما اكتشفته خلال الفترة الماضية هو:

“اختر أنت قدرك”

الإنسان مخير أكثر من كونه مسير، الأشياء في هذه الحياة بحزنها بفرحها بخوفها بضعفها بابتهاجها بسعادتها كلها انعكاس لفهمك لها ولنظرتك عنها، يمكنك أن تختار قدرك في أشد اللحظات التي يظنها الناس أنها سوداء.

هذا الاختيار يكون من أبسط الأشياء إلى أعقدها، تحس بالحزن ابتعد عن الحزانى، وكن أول من تبتعد عنه هو أنت، تريد جسمًا رياضيًا يمكن أن تحرك قدمك وتعتذر بلطف عن شيء تظن أنه ليس مهمًا ولكن تفعله بدافع المجاملة.

لا أحد يمكنه أن يقرأ عنك كتابًا، ويمكن لأشخاص كثيرين أن يبهجوك لكنهم لن يجبروك على الابتسامة، لا تغرق في دوامة الأشخاص الذين لا يرتبون حياتهم ويريدون لحياتك أن تكون غير مرتبة ويحزنون إن لم تكن كذلك، ثم تقارن بينهم وبينك وتظن أنك أفضل.

الحياة حلوة، تدفع للأمام دومًا والاستسلام جزء محدود في البشر، لا تكن ذلك الشخص.

مراجعة: جيوبوليتيك – الجغرافيا والحلم العربي القادم – عندما تتحدث الجغرافيا

جيوبوليتيك - الجغرافيا والحلم العربي القادم - عندما تتحدث الجغرافيا
جيوبوليتيك – الجغرافيا والحلم العربي القادم – عندما تتحدث الجغرافيا by جاسم محمد سلطان

My rating: 4 of 5 stars

يعجبني الدكتور جاسم سلطان، ينطلق كالزورق السريع الذي فاق الباخرة البطيئة، فتحررت أفكاره عنها وفاقتها والتقى عوالم أخرى لم تتمكن الأخيرة من الوصول إليها لعلو الأمواج، فقامت الأولى ترسل رسائل فوقية بالغضب ولكنها الغيرة، الغيرة التي تعميك عن الجميل.

ويحدث ما يحدث في كل جسم كبيرة هناك متمردون صغار يهددون إن لم تحدث تغييرات أن يقفزوا من الباخرة بحثًا عن شاطئ آخر حتى لو كلفهم ذلك حياتهم، والآن هناك زورقٌ صديق مؤمن بأفكار الباخرة متفوقٌ عليها مختلفٌ عنها يملك أسسها فيناقشها وحكايتها وقصصها فيستخدمها ويعرف المساحة الفاصلة بين تنظيرها و واقعها، ولا يخوض فيه كثيرًا، حتى لا يكرر الخطأ الذي من أجله قرر مغادرة الباخرة، يقفز الصغار هناك، أو يلحقوه سباحة، أو يذهبون إلى شواطئ أخرى، وتبقى الباخرة، يولد فيها جدد، يموت قدماء، يخرج في المنتصف أفراد، وتدور الحياة.

قرأت بعض كتبه في سلسلة أدوات القادة لمشروع النهضة، وأظنني كنت وبالاً عليه في بعض الأمور التي أتركها للأيام وأعرف أنه طيب ليغفر أو لا يتذكر أصًلا، ولكن آخر ما قرأت له كان كتاب “جيوبولتيك”، بذكائه اختار الاسم الذي يمكنه أن يبعده كثيرًا عن تصور المضمون ولا يخالفه في الوقت ذاته.

عقل، اقتصاد، دفاع، هذا ما تحتاجه أي دولة كأدوات لتفوز في لعبة السياسية، يبدأ الكتاب بالنظريات المهمة في قسمه الأول، “كلما تطور الإنسان واستقر تتولد الذاكرة المشتركة والتصورات المشتركة عن الذات والآخر وتتمايز المجتمعات في أنماط العيش والقيم، ومع الكتابة أصبحت الذاكرة التاريخية أعمق، وتصلبت الهويات الخاصة. هذا الشعور بالتمايز والاختلاف عزز التمركز حول الذات في مقابل الآخر، ومعه تولدت نزعة القوة، والتحصل عليها لمواجعة تهديد الآخر أو لتهديد الآخر”

الكتابة، حفظ الذاكرة التاريخية، تعزيز الهويات، أظن أن النقطة الثانية نقطة ذات بعدين بين أن ننبش التاريخ لنعرف لماذا وصلنا إلى هنا وبين أن نقبل التاريخ المقدم لنا في حصص التاريخ أو في مقتطفات الأيام الوطنية لنصنع منها صورة صغيرة كانت أو كبيرة، وأي تاريخ هو الذي ينبغي أن نحفظه في هذه الذاكرة، ونبني عليه من جديد، وكيف نستخدم هذا التاريخ لرسم الصورة، تاريخ القرصنة أم لحظات الصلح؟ التعاون مع المستعمر أم النضال ضد القتلة؟.

جمال الفصل الثاني يبدأ بتحليل المنطقة العربية وتخيل المشروع العربي الجيوبوليتيكي فيها الذي لا يكون إلا بالشعور الجمعي بالهوية، والعلاقة الصحيحة بالعلم، وسلامة النظم وكفاءتها، ثم يسرد التحديات المواجهة للمشروع، وهو سرد على حياديته وموضوعيته مؤلم حد الاختناق خصوصًا حين يصل لتحدي القضية الفلسطينية رابطًا إياها بالمشروع كفكرة وجود وقوة ونفوذ أكثر منها قطعة أرض محتلة من الوطن العربي.

ينهي الفصل بأمل الفرص، في المنطقة التي كاد أن يمحوها سواد الفصل في بدايته، فالوطن العربي لازال مجموعة دول له علاقاته الجيدة مع من حوله، والأدوات المبدئية الكافية، إن وجدت الإرادة، ثم ينهي الكتاب بأمل حذر في الثورات التي صدر بعدها، ” الثورات ليست هي المستقبل ولكنها لحظة افتكاك لفرصة جديدة قابلة للاستثمار أو التفريط وجوهرها هو سلوك الثوار تجاه مجتمعاتهم ووعيهم وحكمتهم”

لم يذكر الكتاب تفاصيل الخلافات أو المقارنات أو كلمة ولكن ولو، بل بهدوء ارتفع في نظرة وصفية تحليلية لما يحدث على هذا الكوكب وعولمته ونقلها لنا بشكل مرتب، سطحي دون عمق ليوصل لك ما تحتاج من مفاتيح تأخذك بعدها لمجهودك الشخصي الذي تبحث من خلاله عن ضالتك.

أعجبني الكتاب فيما قد يكره الآخرون المعقدون المحبون للفلسفة المتداخلة، هذا التنظيم العشوائي الذي يتوافق معه عقلي، الأشبه بكتاب الجغرافيا الذي يتسامى عليه أعداء مناهج المدرسة لأنه يذكرهم به لا أكثر، وماذا أيضًا؟ نعم الهوس بالمراجع! لن تجد مرجعًا واحدًا في هذا الكتاب فليس معقولًا أن يوثق المرء كل جسر عبرت منه فكرة أخرجها في هيئة جملة.

جيوبوليتك يستحق القراءة والفصل الثاني منه بشكل خاص.

View all my reviews